وَتَلِدَ مِنْهُ أَوْلَادًا لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ الْعَقْدُ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّهُ وَلِيَ وَهَذَا فِي ذَاتِ الْمَنْصِبِ وَالْقَدْرِ وَالْوُلَاةِ، وَقَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ٢٣٢] فَالْعَضْلُ مِنْ الْوَلِيِّ وَأَنَّ النِّكَاحَ يَتِمُّ بِرِضَا الْوَلِيِّ الْمُزَوِّجِ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» وَقَالَ أَيْضًا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا» وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ الْمَحْفُوظِ عَنْهُ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْن وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» فَكَانَ مَعْنَاهُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ وَيَكُونُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلِيٌّ فَيَمْنَعَهَا إعْضَالًا لَهَا، فَإِذَا مَنَعَهَا فَقَدْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الْوِلَايَةِ بِالْعَضْلِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» فَإِذَا كَانَ ضَرَرُ حُكْمِ السُّلْطَانِ أَنْ يَنْفِيَ الضَّرَرَ وَيُزَوِّجَ فَكَانَ وَلِيًّا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ فِي أَوْلِيَاءِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ وَهِيَ بِكْرٌ أَخٌ وَجَدٌّ وَابْنُ أَخٍ أَيَجُوزُ تَزْوِيجُ ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا إيَّاهَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَاهُ جَائِزًا إذَا أَصَابَ وَجْهَ النِّكَاحِ
قُلْتُ: أَرَأَيْت الْبِكْرَ أَيَجُوزُ لِذِي الرَّأْيِ أَنْ يُزَوِّجَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَبُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي تَأْوِيلِ حَدِيثِ عُمَرَ مَا أَخْبَرْتُك فَتَأْوِيلُ حَدِيثِ عُمَرَ يَجْمَعُ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَنَا مَالِكٌ بِكْرًا مِنْ ثَيِّبٍ، وَلَمْ نَشُكَّ أَنَّ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبِكْرِ وَالِدٌ وَلَا وَصِيٌّ سَوَاءٌ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَغِيبُ عَنْ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ أَيَكُونُ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُزَوِّجُوهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً مِثْلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ فِي الْمَغَازِي فَيُقِيمُونَ فِي الْبِلَادِ الَّتِي خَرَجُوا إلَيْهَا مِثْلِ الْأَنْدَلُسِ أَوْ إفْرِيقِيَّةَ، أَوْ طَنْجَةَ، قَالَ: فَأَرَى أَنْ يُرْفَعَ أَمْرُهَا إلَى السُّلْطَانِ فَيَنْظُرَ لَهَا وَيُزَوِّجَهَا، وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ قُلْتُ: أَفَيَكُونُ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُزَوِّجُوهَا بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ؟
قَالَ: هَكَذَا سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: يُرْفَعُ أَمْرُهَا إلَى السُّلْطَانِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ خَرَجَ تَاجِرًا إلَى إفْرِيقِيَّةَ أَوْ إلَى نَحْوِهَا مِنْ الْبُلْدَانِ وَخَلَفَ بَنَاتٍ أَبْكَارًا فَأَرَدْنَ النِّكَاحَ وَرَفَعْنَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ أَيَنْظُرُ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: إنَّمَا سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الَّذِي يَغِيبُ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً فَأَمَّا مَنْ خَرَجَ تَاجِرًا وَلَيْسَ يُرِيدُ الْمُقَامَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ، فَلَا يَهْجُمْ السُّلْطَانُ عَلَى ابْنَتِهِ الْبِكْرِ فَيُزَوِّجَهَا وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُزَوِّجَهَا، قَالَ: وَهُوَ رَأْيِي لِأَنَّ مَالِكًا لَمْ يُوَسِّعْ فِي أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةَ الرَّجُلِ إلَّا أَنْ يَغِيبَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَخَطَبَ الْخَاطِبُ إلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَى وَالِدُهَا أَوْ وَلِيُّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا فَرَفَعَتْ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ وَهُوَ دُونَهَا فِي الْحَسَبِ وَالشَّرَفِ إلَّا أَنَّهُ كُفْءٌ فِي الدِّينِ فَرَضِيَتْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.