عِنْدَ ذَلِكَ عُزَيْرُ: يَا رَبِّ، أَنْتَ لَا يُدْرِكُ أَحَدٌ كُنْهَ عِلْمِكَ وَقُدْرَتِكَ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عُزَيْرُ، زَعَمْتَ أَنّي حَكَمٌ عَدْلٌ لَا أَجُورُ بَيْنَ عِبَادِي وَكَذَلِكَ أَنا، وَزَعَمْتَ أنِّي أُعَذِّبُ العَامَّةَ بِذَنْب الخاصَّةِ، وَالأَصَاغِرَ بِذَنْبِ الأَكَابِرِ، يَا عُزَيْرُ، إِنِّي لَا أُعَذِّبُ العَامَّةَ بِذَنْبِ الخاصَّةِ حَتَّى يَعْمَلُوا المنْكَرَ جِهَارًا، فَلَا يَأمُرُوا وَلَا يَنْهُوا، فَأُعَذِّبُ الخاصَّةَ بِالذُّنُوبِ وَالمعَاصِي فَأُعَجِّلَهُمْ إِلَى النَّارِ، وَأُعَاقِبُ العَامّةَ بِذَنْبِ الخاصَّةِ حِينَ تَرَكُوا الأَمْرَ بِالمعْرُوفِ وَالنَّهِيَ عَنِ المنْكَرِ وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ حَاسَبْتُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، وَكَانَ الَّذِينَ عَجَّلْتُ لَهُمُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا لَمَا تَرَكُوا مِنَ الأَمْرِ بِالمعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المنْكَرِ، وَأَمَّا الأَصَاغِرُ فَأَقْبِضُهُمْ بَآجَالِهِمْ قَبْضًا لَطِيفًا إِلَى رَاحَتِي. قَالَ عُزَيْرٌ: كَذَلِكَ أنْتَ إِلَهِي. فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: قُمْ يَا عُزَيْرُ ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ، وَانْطَلِقْ إِلَى أَهْلِ بَيْتِكَ، فَقُمْ فِيهِمْ فَقَدْ شَفَّعْتُكَ فِيهِمْ وَأَنَا رَادُّهُمْ إِلَيْهَا. فَجَمَعَهُمْ اللَّهُ وَخَلَّصَهُمْ مِنْ أَيْدِي عَدُوِّهِمْ، فَجَمَعَهُمْ فِي بَيْتِ المقْدِسِ فِي حُسْنِ حَالٍ حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ إِلَيْهِ عُزَيْرَ، فَعَتَوا بَعْدَ ذَلِكَ وَبَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلُوا يُخْرِجُونَ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ تَبْعَةً مِنْ دِيَارِهِمْ وَيَأخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِعْدَ ذَلِكَ طيطس بْنَ سبيس الرُومِي: فَغَزا بَيْتَ المقْدِسِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} (٦٠٦). فَعَادُوا إِلَى البَغْي فَأَعَادَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العُقُوبَةَ فَغَزَاهُمْ طيطس، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتِهِمْ، وَحَمَى كُنُوزَ بَيْتِ المقْدِسِ، وَألْقَى فِيهِ الجيفَ، وَحَمَلَ الأَمْوَالَ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا فَهِيَ فِي بُيوتِ أَمْوَالِهِمْ بِالرُّومِ، فَفِيهِمْ نَزَلَتْ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} (٦٠٧) يَعْنِي أَهْلَ الرُّومِ، فَلَيْسَ رُومِيُّ يَدْخُلُ بَيْتَ المقْدِسِ إِلّا خَائِفًا مُسْتَنْكِرًا يَسْتَوحِشَهُ إِذَا
(٦٠٦) الإسراء: ٨.(٦٠٧) البقرة: ١١٤.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.