(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالذَّهَبِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَالْآخَرُ نَاجِزٌ وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تَنْظُرْهُ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَاءُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا
ــ
[المنتقى]
إلَيْهِ مُعَاوِيَةُ مِنْ بَيْعِ سِقَايَةِ الذَّهَبِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَرَى فِي ذَلِكَ مَا رَآهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ تَجْوِيزِ التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ نَقْدًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَا يَرَى ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ جَوَّزَ التَّفَاضُلَ بَيْنَ الْمَصُوغِ مِنْهُ وَغَيْرِهِ لِمَعْنَى الصِّيَاغَةِ وَقَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فِعْلَهُ مِنْ تَجْوِيزِهِ التَّفَاضُلَ فِي الذَّهَبِ وَاحْتَاجَ إلَى الِاحْتِجَاجِ بِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فَلَيْسَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ صَرْفُهُ عَنْ رَأْيِهِ الَّذِي رُوِيَ إلَّا بِدَلِيلٍ وَحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ هَلْ لَك فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ مَا أَوْتَرَ إلَّا بِوَاحِدَةٍ قَالَ أَصَابَ إنَّهُ فَقِيهٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مُعَاوِيَةَ مَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَرَى الْقِيَاسَ مُقَدَّمًا عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَذَلِكَ لِمَا يَجُوزُ عَلَى الرَّاوِي مِنْ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَالصَّوَابُ تَقْدِيمُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ السَّهْوَ وَالْغَلَطَ يَجُوزُ فِيهِ عَلَى النَّاظِرِ الْمُجْتَهِدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَجُوزُ عَلَى النَّاقِلِ الْحَافِظِ الْفَقِيهِ وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الْفُصُولِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرَى تَقْدِيمَ أَخْبَارِ الْآحَادِ إلَّا أَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْمَضْرُوبِ بِالْمَضْرُوبِ دُونَ الْمَصُوغِ بِالْمَضْرُوبِ وَرَأَى أَنَّ الصِّيَاغَةَ مَعْنًى زَائِدٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا لِلْفَضْلِ عَلَى حَسَبِ مَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ بَاعَ مِائَةَ دِينَارٍ فِي قِرْطَاسٍ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَيُجْعَلُ الْقِرْطَاسُ عِوَضًا لِلْمِائَةِ الْأُخْرَى.
وَقَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ مُعَاوِيَةَ أَنَا أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ أَنِكَارٌ مِنْهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ التَّعَلُّقَ بِرَأْيٍ يُخَالِفُ النَّصَّ وَلَمْ يَحْمِلْ ذَلِكَ مِنْ مُعَاوِيَةَ عَلَى التَّأْوِيلِ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ مِنْهُ عَلَى رَدِّ الْحَدِيثِ بِالرَّأْيِ إمَّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا إلَّا الْمَصُوغَ بِالْمَضْرُوبِ وَفِيهِ نَقْلُ النَّهْيِ فَيَمْتَنِعُ التَّأْوِيلُ وَالتَّخْصِيصُ وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَ مُعَاوِيَةَ مَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا عَلَى تَجْوِيزِ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ دُونَ تَفْصِيلٍ.
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَفِيمَا قَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ وَقَوْلُهُ لَا أُسَاكِنُك بِأَرْضٍ أَنْتَ فِيهَا مُبَالَغَةٌ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَاظِهَارٌ لِهَجْرِهِ وَالْبُعْدِ عَنْهُ حِينَ لَمْ يَأْخُذْ بِمَا نُقِلَ إلَيْهِ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُظْهِرُ الرُّجُوعَ عَمَّا خَالَفَهُ.
وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَلَى مَعْنَى رَفْعِ مَا يُنْكَرُ إلَى الْإِمَامِ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ عِنْدَهُ فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى مُعَاوِيَةَ أَنْ لَا يَبِيعَ ذَلِكَ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ مِنْ أَمْرِ حُكَّامِهِ بِالْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَالتَّبْصِيرِ لَهُمْ بِصَوَابِ الْأَحْكَامِ وَقَوْلُهُ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ الْجُزَافِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا حَرُمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ يَحْرُمُ فِيهِ الْجُزَافُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَعَهُ التَّسَاوِي وَالْجَهْلُ فَالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي هَذَا لِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ مِنْ قِلَّةِ التَّسَامُحِ بِيَسِيرِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مُعَاوِيَةَ مَا رَاجَعَ بِهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِمَا احْتَمَلَ مِنْ التَّأْوِيلِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.