إِلَّا أَنَّ الْإِيعَادَ اخْتَصَّ بِالشَّرِّ عُرْفًا يُقَالُ أَوْعَدَ إِذَا وَعَدَ بِشَرٍّ إِلَّا أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ فِي الْخَيْرِ لِلِازْدِوَاجِ، وَالْأَمْنِ عَنِ الِاشْتِبَاهِ بِذِكْرِ الْخَيْرِ بَعْدَهُ كَذَا قَالُوا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
وَأَمَّا عِنْدَ التَّقْيِيدِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ بِالتَّجْرِيدِ فِيهِمَا، أَوْ بِأَصْلِ اللُّغَةِ، وَاخْتِيَارِ الزِّيَادَةِ لِاخْتِيَارِ الْمُبَالَغَةِ (فَمَنْ وَجَدَ) : أَيْ فِي نَفْسِهِ، أَوْ أَدْرَكَ، وَعَرَفَ (ذَلِكَ) أَيْ: لَمَّةَ الْمَلَكِ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِلْمَامِ، أَوِ الْمَذْكُورِ (فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ) : أَيْ: مِنَّةٌ جَسِيمَةٌ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَاصِلَةٌ إِلَيْهِ، وَنَازِلَةٌ عَلَيْهِ إِذْ أَمَرَ الْمَلَكَ بِأَنْ يُلْهِمَهُ (فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ) أَيْ: عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الْجَلِيلَةِ حَيْثُ أَهَّلَهُ لِهِدَايَةِ الْمَلَكِ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْخَيْرِ تَصْدِيقًا وَتَحْصِيلًا، ثُمَّ مَعْرِفَةُ الْخَوَاطِرِ وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَهَا مَحَلُّ بَسْطِهَا كُتُبُ الصُّوفِيَّةِ، وَقَدْ بَيَّنَهَا الْغَزَالِيُّ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ تَبْيِينًا لَطِيفًا، وَاتَّفَقَ الْمَشَايِخُ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَأْكَلُهُ مِنَ الْحَرَامِ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ وَالْإِلْهَامِ، بَلْ قَالَ الدَّقَّاقُ: مَنْ كَانَ قُوتُهُ مَعْلُومًا أَيْ: بِأَنْ لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ الْإِلْهَامُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ لَكِنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي مَعْرِفَةِ وَسَاوِسِ النَّفْسِ، وَمَكَايِدِ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَهَا هُنَا، وَأَخَّرَهَا أَوَّلًا لِأَنَّ لَمَّةَ الشَّيْطَانِ شَرٌّ، وَالِابْتِلَاءُ بِهَا أَكْثَرُ، فَكَانَتِ الْحَاجَةُ بِبَيَانِهَا أَمَسُّ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَدَّمَ لَمَّةَ الْمَلَكِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا، وَإِشْعَارًا بِأَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ (وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى) أَيْ: لَمَّةَ الشَّيْطَانِ (فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرِّجِيمِ) : وَلْيُخَالِفْهُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا الشَّيْطَانُ عَبْدٌ مُسَخَّرٌ أُعْطِيَ لَهُ التَّسْلِيطُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: ٤٢] وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ هُنَا فَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَأَدُّبًا مَعَهُ إِذْ لَا يُضَافُ إِلَيْهِ إِلَّا الْخَيْرُ (ثُمَّ قَرَأَ) : - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِشْهَادًا {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} [البقرة: ٢٦٨] أَيْ: يُخَوِّفُكُمْ بِهِ، {وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [البقرة: ٢٦٨] أَيْ: بِالْبُخْلِ، وَالْحِرْصِ، وَسَائِرِ الْمَعَاصِي، فَإِنَّ حُبَّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، أَوْ مَعْنَاهُ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ لِيَمْنَعَكُمْ عَنِ الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرَاتِ، وَيُخَوِّفُكُمُ الْحَاجَةَ لَكُمْ، أَوْ لِأَوْلَادِكُمْ فِي ثَانِي الْحَالِ سِيَّمَا فِي كِبَرِ السِّنِّ، وَكَثْرَةِ الْعِيَالِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ أَيِ الْمَعَاصِي، وَهَذَا الْوَعْدُ، وَالْأَمْرُ هُمَا الْمُرَادَانِ بِالشَّرِّ فِي الْحَدِيثِ، وَتَتِمَّةُ الْآيَةِ: {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً} [البقرة: ٢٦٨] أَيْ: لِذُنُوبِكُمْ عَلَى الصَّبْرِ فِي الْفَقْرِ، وَالطَّاعَةِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ عَدْلًا، أَوْ فَضْلًا، أَيْ: يَعِدُكُمْ زِيَادَةَ الْخَيْرِ عَلَى الْمَغْفِرَةِ، وَثَوَابَ الطَّاعَةِ بِالْأَضْعَافِ الْمُضَاعَفَةِ، أَوْ خَلَفًا فِي الدُّنْيَا، وَعِوَضًا فِي الْعُقْبَى {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: ٢٤٧] : تَذْيِيلٌ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ إِشَارَةٌ إِلَى سِعَةِ مَغْفِرَتِهِ، وَرَحْمَتِهِ، وَوُفُورِ عِلْمِهِ بِأَحْوَالِ الْعِبَادِ وَمَصَالِحِهِمْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَتَعْرِيفُ الْغَرَابَةِ، وَتَفْصِيلُهَا مَتْنًا، وَإِسْنَادًا مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.