١٩٧ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» " رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ الدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
١٩٧ - (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ) : مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَاسْمُهُ جُرْثُومُ بْنُ نَاشِرٍ (الْخُشَنِيِّ) : بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ الْأَوْلَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ، بَطْنٌ مِنْ قُضَاعَةَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ كَذَا فِي التَّهْذِيبِ، وَأَرْسَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى قَوْمِهِ فَأَسْلَمُوا، وَنَزَلَ بِالشَّامِ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَمَرْوِيَّاتُهُ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ) : بِالْهَمْزِ جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ وَالتَّاءُ لِلنَّقْلِ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ، وَهِيَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِ الثَّوَابُ وَعَلَى تَرْكِهِ الْعِقَابُ مِنَ الْعِبَادَاتِ. قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْفَرْضُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ مَعَالِمَ وَحُدُودًا، وَاصْطِلَاحًا: هُوَ مَا يُمْدَحُ فَاعِلُهُ شَرْعًا وَيُذَمُّ تَارِكُهُ قَصْدًا مُطْلَقًا وَيُرَادِفُهُ الْوَاجِبُ، هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَالْوَاجِبُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، كَذَا فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ، وَالْوَاجِبُ عِنْدَنَا فَرْضٌ عَمَلِيٌّ أَيْضًا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ الْعِقَابُ، لَكِنْ دُونَ عِقَابِ الْفَرْضِ، وَالْمَقَامُ يُنَاسِبُ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ، أَيْ: أَوْجَبَ أَحْكَامَهَا مَقَدَّرَةً مَقْطُوعَةً كَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَكَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَسَائِرِ الْفَرَائِضِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، سَوَاءٌ يَكُونُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ أَوِ الْعَيْنِيَّةِ، وَسَوَاءٌ أَوْجَبَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ (فَلَا تُضَيِّعُوهَا) : بِتَرْكِهَا رَأْسًا أَوْ بِتَرْكِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا أَوْ بِالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ أَوْ بِالْعَجَبِ وَالْغُرُورِ. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَعِنْدَ الْعَارِفِينَ هِيَ الْمَعْرِفَةُ الْإِلَهِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَقْصُودُ الْخَلْقِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَقُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦] أَيْ: لِيَعْرِفُونِ وَلَا تَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ غَالِبًا إِلَّا بِالْمُجَاهَدَةِ وَهِيَ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنْ ظُلْمَةِ أَخْلَاقِهَا وَتَخْلِيَتِهَا عَنْ أَوْصَافِ الرَّذَائِلِ وَتَحْلِيَتِهَا بِأَنْوَارِ الْفَضَائِلِ كَالتَّوْبَةِ وَالتَّقْوَى وَالزُّهْدِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَالِارْتِقَاءِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالتَّصَاعُدِ مِنْ مَقَامٍ إِلَى آخَرَ حَتَّى تَنْجَلِيَ شَمْسُ صِفَاتِ الْجَلَالِ، وَتَظْهَرَ طَوَالِعُ أَنْوَارِ الْجَمَالِ، وَيَسْتَوْلِيَ سُلْطَانُ الْحَقِيقَةِ عَلَى مَمَالِكِ الْخَلِيقَةِ، وَيُطْوَى بِأَيْدِي سَطَوَاتِ الْجُودِ سُرَادِقَاتِ الْوُجُودِ فَمَا بَقِيَ الْأَرْضُ وَلَا السَّمَاءُ، وَلَا الظُّلْمَةُ وَلَا الضِّيَاءُ، وَتَلَاشَى الْعَبْدُ فِي كَعْبَةِ الْعِنْدِيَّةِ، وَنُودِيَ بِفَنَاءِ الْفَنَاءِ مِنْ عَالَمِ الْبَقَاءِ، رُفِعَتِ الْقِبْلَةُ وَمَا بَقِيَ إِلَّا اللَّهُ {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: ١١٥] وَهَذَا حَالُ السَّلِكِ الْمَجْذُوبِ أَوِ الْمَجْذُوبِ السَّالِكِ، وَمَعْنَى الْجَذْبَةِ أَنَّهُ يُنَاجِي الْمَجْذُوبَ مِنْ أَمْرِ الْمَلَكُوتِ مَا يُدْهِشُ عَقْلَهُ وَيَأْخُذُهُ عَنْ نَفْسِهِ (وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ) أَيْ: مُحَرَّمَاتٍ مِنَ الْمَعَاصِي، وَفِي الْأَرْبَعِينَ لِلنَّوَوِيِّ: وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ، أَيْ: كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ (فَلَا تَنْتَهِكُوهَا) أَيْ: لَا تَقْرَبُوهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ تَتَنَاوَلُوهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: ٣٢] وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: انْتِهَاكُ الْحُرْمَةِ تَنَاوُلُهَا بِمَا لَا يَحِلُّ، وَقِيلَ: الِانْتِهَاكُ خَرْقُ مَحَارِمِ الشَّرْعِ كَذَا ذَكَرَهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.