الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٨٧ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، يَعْنِي وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِمَا مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ) : أَيْ فِي مَوَاقِيتِهَا (وَصَامَ رَمَضَانَ) ; خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِ شَأْنِهِمَا وَتَحْرِيضًا عَلَيْهِمَا لِصُعُوبَةِ مَوْقِعِهِمَا عَلَى الطِّبَاعِ، وَمَنْ رَاعَاهُمَا مَعَ كَوْنِهِمَا أَشَقَّ لَا يَتْرُكُ غَيْرَهُمَا غَالِبًا، وَيُمْكِنُ أَنَّ وُرُودَ هَذَا الْحَدِيثِ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، أَوْ عَدَمَ ذِكْرِهِمَا لِاخْتِصَاصِهِمَا بِالْأَغْنِيَاءِ (كَانَ حَقًّا) : أَيْ: ثَابِتًا بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ (عَلَى اللَّهِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) : أَيْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْإِيمَانِ كَافٍ لِمُطْلَقِ الدُّخُولِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ رَفْعُ الدَّرَجَاتِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ اللَّازِمِ، وَإِرَادَةِ الْمَلْزُومِ ; لِأَنَّ رَفْعَهَا يَسْتَلْزِمُ الدُّخُولَ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ الدُّخُولَ بِالْفَضْلِ وَالرَّفْعَ بِالْأَعْمَالِ (جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، وَرُوِيَ: هَاجَرَ (أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا) أَيْ وَلَمْ يُجَاهِدْ وَلَمْ يُهَاجِرْ، وَالتَّسْوِيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ صَدَرَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ; لِأَنَّ الْهِجْرَةَ قَبْلَهُ كَانَتْ فَرِيضَةً لِكُلِّ مُؤْمِنٍ فِي الِابْتِدَاءِ. (قَالُوا: أَفَلَا نُبَشِّرُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِهِ (النَّاسَ؟ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ: الْقَائِلُ فِي قَالُوا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ، وَزَادَ بَعْدَهُ قَالَ: " ذَرِ النَّاسَ يَعْمَلُونَ فَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ " (مِائَةَ دَرَجَةٍ) : زَادَ التِّرْمِذِيُّ: لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ (أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، هُمُ الْغُزَاةُ، أَوِ الْحُجَّاجُ، أَوِ الَّذِينَ جَاهَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ (مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ، وَرَدَ فِي حَدِيثٍ: إِنَّ مَا بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ) : أَيْ عَلَى الْجِهَادِ دَرَجَةً عَالِيَةً (فَسَلُوهُ) : بِالتَّخْفِيفِ وَالنَّقْلِ ; أَيْ: فَاطْلُبُوا مِنْهُ (الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ) : أَيِ الْفِرْدَوْسَ (أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) : أَيْ أَعْدَلُهَا وَأَفْضَلُهَا وَأَوْسَعُهَا وَخَيْرُهَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ (وَأَعْلَى الْجَنَّةِ) ، قِيلَ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السَّمَاوَاتِ كُرِّيَّةٌ، فَإِنَّ الْوَسَطَ لَا يَكُونُ أَعْلَى إِلَّا إِذَا كَانَ كُرِّيًّا. قَالَ الطِّيبِيُّ: النُّكْتَةُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَعْلَى وَالْأَوْسَطِ أَنَّهُ أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا الْحِسِّيَّ وَبِالْآخَرِ الْمَعْنَوِيَّ، فَإِنَّ وَسَطَ الشَّيْءِ أَفْضَلُهُ وَخِيَارُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يَتَسَارَعُ إِلَيْهَا الْخَلَلُ، وَالْأَوْسَاطَ مَحْمِيَّةٌ مَحْفُوظَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَتْ هِيَ الْوَسَطَ الْمَحْمِيَّ، فَاكْتَنَفَتْ بِهَا الْحَوَادِثُ حَتَّى أَصْبَحَتْ طَرْفًا. (وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ) ، فَهُوَ سَقْفُ الْجَنَّةِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَفَوْقَ بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَيَّدَهُ الْأَصِيلِيُّ بِضَمِّ الْقَافِ ; أَيْ أَعْلَاهُ، وَالْجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِ. (وَمِنْهُ) : أَيْ مِنَ الْفِرْدَوْسِ (تُفَجَّرُ) : أَيْ تَتَفَجَّرُ (أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) . ; أَيْ أُصُولُ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَالْخَمْرِ وَالْعَسَلِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا؟ قُلْتُ: هُوَ مُطْلَقٌ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ، أَوْ تَفْسِيرٌ لِلْمُجَاهِدِينَ بِالْعُمُومِ دَرَجَةً وَالدَّرَجَاتُ بِحَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الْجِهَادِ، فَيَكُونُ الْفِرْدَوْسُ لِمَنْ جَاهَدَ حَقَّ جِهَادِهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ تُجْرَى الدَّرَجَاتُ عَلَى ظَاهِرِهِ مَحْسُوسًا كَمَا جَاءَ فِي أَهْلِ الْغُرَفِ أَنَّهُمْ يُتَرَاءَوْنَ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ وَأَنْ تُجْرَى عَلَى الْمَعْنَى، وَالْمُرَادُ كَثْرَةُ النَّعِيمِ وَعَظِيمُ الْإِحْسَانِ مِمَّا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.