إِلَى الْخَطِيئَةِ أَوْ يَكُونُ مَصْدَرًا أَيْ: مَشَتِ الْمِشْيَةَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ) أَيِ اجْعَلِ الْجَعْلَ. (رِجْلَاهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: تَأْكِيدٌ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ (مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ) أَيْ: ذُنُوبِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ مِنَ الصَّغَائِرِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ يَفْرُغُ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ وُضُوئِهِ طَاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ أَيِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَغْفُورَ ذُنُوبُ أَعْضَائِهِ الْمَغْسُولَةِ، فَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ غُفْرَانَ جَمِيعِ الْجَسَدِ يَكُونُ عِنْدَ التَّوَضُّؤِ بِالتَّسْمِيَةِ يُشِيرُ إِلَيْهِ إِحْسَانُ الْوُضُوءِ وَغُفْرَانُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ نَصٌّ عَلَى غُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: مِنْ جَسَدِهِ يَحْتَمِلُ جَمِيعَ بَدَنِهِ، أَوْ أَعْضَاءَ الْوُضُوءَ يُشِيرُ إِلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: ذَكَرَ لِكُلِّ عُضْوٍ مَا يُخَصُّ بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَمَا يُزِيلُهَا عَنْ ذَلِكَ وَالْوَجْهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ فَلِمَ خُصَّتِ الْعَيْنُ بِالذِّكْرِ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْعَيْنَ طَلِيعَةُ الْقَلْبِ وَرَائِدُهُ، فَإِذَا ذُكِرَتْ أَغْنَتْ عَنْ سَائِرِهَا، وَيُعَضِّدُهُ الْخَبَرُ الْآتِي: فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَنْفَ وَاللِّسَانَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالْأُذُنَ بِالْمَسْحِ فَيَتَعَيَّنُ الْعَيْنُ وَسَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مَا هُوَ كَالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ، أَوْ يُقَالُ: خُصَّتِ الْعَيْنُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ خُرُوجِ ذُنُوبِهَا لِعَدَمِ غَسْلِ دَاخِلِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ ذَكَرَ مَا يُؤَيِّدُ قَوْلِي حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الطِّيبِيِّ: وَجَعْلُ الْأُذُنِ مِنَ الْوَجْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَنَا، بَلْ هِيَ لَيْسَتْ مِنَ الْوَجْهِ وَلَا مِنَ الرَّأْسِ وَخَبَرُ «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» ضَعِيفٌ، وَكَوْنُ الْعَيْنِ طَلِيعَةً كَمَا ذُكِرَ لَا يُنْتِجُ الْجَوَابَ عَنْ تَخْصِيصِ خَطِيئَتِهَا بِالْمَغْفِرَةِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ، بَلِ الَّذِي يَتَّجِهُ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّخْصِيصِ هُوَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ لَهُ طَهَارَةٌ مَخْصُوصَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ طَهَارَةِ الْوَجْهِ، فَكَانَتْ مُتَكَلِّفَةً بِإِخْرَاجِ خَطَايَاهُ بِخِلَافِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا طَهَارَةٌ إِلَّا فِي غَسْلِ الْوَجْهِ فَخُصَّتْ خَطِيئَتُهَا بِالْخُرُوجِ عِنْدَ غَسْلِهِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ فَتَأَمَّلْهُ اهـ.
وَقَوْلُهُ: خَبَرُ الْأُذُنَانِ ضَعِيفٌ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ( «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» ) أَيْ حُكْمُهُمَا إِذْ لَمْ يُبْعَثْ لِبَيَانِ الْخِلْقَةِ، وَقَدْ نَصَّ «ابْنُ الْقَطَّانِ» عَلَى صِحَّتِهِ أَيْضًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.