٥٤٣٠ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ، وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنِّسَائِيُّ.
ــ
٥٤٣٠ - (وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " دَعُوا الْحَبَشَةَ ") أَيِ: اتْرُكُوهُمْ (" مَا وَدَعُوكُمْ ") : بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ: مَا تَرَكُوكُمْ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَلَّمَا يَسْتَعْمِلُونَ الْمَاضِي مِنْهُ، إِلَّا مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَشْعَارِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ:
غَالَهُ فِي الْحُبِّ حَتَّى وَدَعَهُ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَا وَادَعُوكُمْ أَيْ: مَا سَالَمُوكُمْ، فَسَقَطَ الْأَلْفُ مِنْ قَلَمِ بَعْضِ الرُّوَاةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا افْتِقَارَ إِلَى هَذَا الطَّعْنِ مَعَ وُرُودِهِ فِي التَّنْزِيلِ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} [الضحى: ٣] وَقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ يَعْنِي مَا تَرَكَكَ، قَالَ: وَثَمَّ وَدَعْنَا إِلَى عُمَرَ وَعَامِرٍ، وَلِأَنَّ لَفْظَ الِازْدِوَاجِ وَرَدَ الْعَجُزُ عَلَى الصَّدْرِ يَجُوزُ لِذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِهِمْ: إِنِّي لَآتِيهِ بِالْغَدَايَا وَالْعَشَايَا، وَقَوْلُهُ: " «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» ". قَالَ الْمُظْهِرُ: كَلَامُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَتْبُوعٌ لَا تَابِعٌ، بَلْ فُصَحَاءُ الْعَرَبِ عَنْ آخِرِهِمْ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ بِأَقَلَّ، وَأَيْضًا فَلُغَاتُ الْعَرَبِ مُخْتَلِفَةٌ مِنْهُمْ مَنِ انْقَرَضَتْ لُغَتُهُ فَأَتَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا. قَالَ شَمَرُ: زَعَمَتِ النَّحْوِيَّةُ أَنَّ الْعَرَبَ أَمَاتُوا مَصْدَرَهُ وَمَاضِيهِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْصَحُ. أَقُولُ: فَأَحْيَاهُمَا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاضِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَبِالْمَصْدَرِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدَعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» "، هَذَا وَهُوَ مِنْ بَابِ الشَّاذِّ الْمُوَافِقِ لِلْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ لِلِاسْتِعْمَالِ كَالْمَسْجِدِ وَنَظَائِرِهِ. (" وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ ") ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: عُلِمَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: ٣٦] وَبَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْآيَةَ مُطْلَقَةٌ، وَالْحَدِيثُ مُقَيَّدٌ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيِّدِ، وَيُجْعَلُ الْحَدِيثُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ الْآيَةِ، كَمَا خُصَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَجُوسِ، فَإِنَّهُمْ كَفَرَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ أُخِذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ ; لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «سُنُّوا بِهِمْ سُّنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» ".
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.