بِشَفَى، وَمَفْعُولُهُ قَوْلُهُ: (مَنْ كَانَ عَلَى شَفَا) أَيْ: وَخَلَّصَ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي حُفْرَةِ الْجَحِيمِ، وَالسُّقُوطِ فِي بِئْرِ الْحَمِيمِ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا} [آل عمران: ١٠٣] أَيْ: طَرَفِ {حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: ١٠٣] وَقِيلَ: مِنْ لِلتَّبْعِيضِ أَيْ: أَبْرَأَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْلُولِينَ مَنْ كَانَ عَلَى إِشْرَافٍ مِنَ الْهَلَاكِ، إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ طَبِيبُ الْعُيُوبِ، وَحَبِيبُ الْقُلُوبِ. وَفِي الْكَلَامِ صَنْعَةُ جِنَاسٍ: وَهُوَ تَشَابُهُ الْكَلِمَتَيْنِ لَفْظًا، وَصَنْعَةُ طِبَاقٍ: وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَغْرَبَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ حَيْثُ قَالَ: وَالْعَلِيلُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا، وَجَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وَيَكُونُ مِنَ الْغِلِّ بِمَعْنَى الْحِقْدِ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ: إِمَّا لَفْظًا: فَلِفَوَتِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الشِّفَاءِ، وَالْعِلَّةِ، وَإِمَّا مَعْنًى: فَلِذَهَابِ عُمُومِ الْعِلَلِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ جِنْسِ الْعَلِيلِ وَاقْتِصَارِهِ عَلَى عِلَّةِ الْحِقْدِ فَقَطْ مَعَ عَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ لِلْمَقَامِ (وَأَوْضَحَ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ) أَيْ: بَيَّنَ، وَعَيَّنَ طَرِيقَ الِاهْتِدَاءِ إِلَى الْمَطْلُوبِ، وَسَبِيلَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَحْبُوبِ. (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَهَا) : وَالسَّبِيلُ يُذَكَّرُ، وَيُؤَنَّثُ أَيْ: لِمَنْ طَلَبَ، وَشَاءَ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا، وَإِرَادَةُ الْعَبْدِ تَابِعَةٌ لِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (وَأَظْهَرَ كُنُوزَ السَّعَادَةِ) أَيِ: الْمَعْنَوِيَّةَ، وَهِيَ الْمَعَارِفُ، وَالْعُلُومُ، وَالْأَعْمَالُ الْعَلِيَّةُ، وَالْأَخْلَاقُ، وَالشَّمَائِلُ، وَالْأَحْوَالُ الْبَهِيَّةُ الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى الْكُنُوزِ الْأَبَدِيَّةِ، وَالْخَزَائِنِ السَّرْمَدِيَّةِ. (لِمَنْ قَصَدَ أَنْ يَمْلِكَهَا) أَيْ: بِمَلَكَةٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مِلْكِهَا، وَيَتَوَسَّلُ بِهَا إِلَى مِلْكِهَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا} [الإنسان: ٢٠] أَيْ: كَثِيرًا {وَمُلْكًا كَبِيرًا} [الإنسان: ٢٠] وَفِي قَوْلِهِ أَرَادَ وَقَصَدَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ لَا بُدَّ مِنَ السَّعْيِ، وَلَا يَحْصُلُ بِالسَّعْيِ، وَوَجْهُ التَّخْصِيصِ أَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِالْإِيضَاحِ، وَالْإِظْهَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: ٢] ثُمَّ قِيلَ: يُرَدُّ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى النُّسْخَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالصَّلَاةِ دُونَ السَّلَامِ - مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ مِنْ كَرَاهَةِ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ فِيمَنِ اتَّخَذَهُ عَادَةً، وَهُوَ ظَاهِرٌ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِلِسَانِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى كِتَابَةِ أَحَدِهِمَا، وَهَذَا بَعِيدٌ، أَوِ الْكَرَاهَةُ بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى لِإِطْلَاقِهَا عَلَيْهِ كَثِيرًا، وَهُوَ الْأَوْلَى.
(أَمَّا بَعْدُ) : أَتَى بِهِ اقْتِدَاءً بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَبِأَصْحَابِهِ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ بِهِ فِي خُطَبِهِمْ لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى آخَرَ، وَيُسَمَّى فَصْلَ الْخِطَابَ قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِهِ دَاوُدُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَأَمَّا لِتَفْصِيلِ الْمُجْمَلِ، وَهُوَ كَلِمَةُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ فِعْلُهُ، وُجُوبًا، (وَبَعْدُ) مِنَ الظُّرُوفِ الزَّمَانِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّرْطِ الْمَحْذُوفِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ، لِقَطْعِهِ عَنِ الْإِضَافَةِ، وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ مَنْوِيٌّ. وَالتَّقْدِيرُ: مَهْمَا يُذْكَرُ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ بَعْدَمَا ذُكِرَ مِنَ الْبَسْمَلَةِ، وَالْحَمْدَلَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالثَّنَاءِ (فَإِنَّ التَّمَسُّكَ بِهَدْيِهِ) أَيِ: التَّشَبُّثَ، وَالتَّعَلُّقَ طَرِيقُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (لَا يَسْتَتِبُّ) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: لَا يَسْتَقِيمُ، وَلَا يَسْتَمِرُّ، أَوْ لَا يَتَهَيَّأُ، وَلَا يَتَأَتَّى. (إِلَّا بِالِاقْتِفَاءِ) أَيْ: بِالِاتِّبَاعِ التَّامِّ (لِمَا صَدَرَ) أَيْ: ظَهَرَ (مِنْ مِشْكَاتِهِ) أَيْ: صَدْرِهِ، أَوْ قَلْبِهِ، أَوْ فَمِهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; فَإِنَّ الْمِشْكَاةَ لُغَةٌ: هِيَ الْكُوَّةُ فِي الْجِدَارِ الْغَيْرِ النَّافِذِ يُوضَعُ فِيهَا الْمِصْبَاحُ، اسْتُعِيرَتْ لِصَدْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ; لِأَنَّهُ كَالْكُوَّةِ ذُو جِهَتَيْنِ فَمِنْ جِهَةٍ يُقْتَبَسُ النُّورُ مِنَ الْقَلْبِ الْمُسْتَنِيرِ، وَمِنْ أُخْرَى يَفِيضُ ذَلِكَ النُّورُ الْمُقْتَبَسُ عَلَى الْخَلْقِ، وَشُبِّهَتِ اللَّطِيفَةُ الْقُدُسِيَّةُ الَّتِي هِيَ الْقَلْبُ بِالْمِصْبَاحِ الْمُضِيءِ، ثُمَّ الْكُلُّ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ} [النور: ٣٥] قِيلَ: نُورُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: ٣٥] ، هَذَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.