رُوحٌ مِنَ اللَّهِ فَصَارَ فِي مَرْيَمَ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ عِنْدَهُمْ.
وَقَالَ صِنْفٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ وَصِنْفٌ مِنَ الرَّوَافِضِ إِنَّ رُوحَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلُ ذَلِكَ إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: ٢٩] وَقَوْلَهُ {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة: ٩] فَزَعَمُوا أَنَّ رُوحَ آدَمَ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كَمَا تَأَوَّلَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ النُّورَ مِنَ الرَّبِّ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، قَالُوا: ثُمَّ صَارَ بَعْدَ آدَمَ فِي الْوَصِيِّ بَعْدَهُ ثُمَّ هُوَ فِي كُلِّ نَبِيٍّ وَوَصَلَ إِلَى أَنْ صَارَ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ فِي ابْنَيْهِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ثُمَّ فِي كُلِّ وَصِيٍّ وَإِمَامٍ فَبِهِ يَعْلَمُ الْإِمَامُ كُلَّ شَيْءٍ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ أَحَدٍ.
قَالَ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ فِي آدَمَ وَبَنِيهِ وَعِيسَى وَمَنْ سِوَاهُ مِنْ بَنِي آدَمَ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ خَلَقَهَا وَأَنْشَأَهَا وَكَوَّنَهَا وَأَخْبَرَ عَنْهَا ثُمَّ أَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ كَمَا أَضَافَ إِلَيْهِ سَائِرَ خَلْقِهِ قَالَ تَعَالَى {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: ١٣] .
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ: رُوحُ الْآدَمِيِّ مَخْلُوقَةٌ مُبْتَدَعَةٌ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ حَكَى إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْلَمِ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ وَكَذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا مِنْ أَئِمَّةِ عُلَمَائِنَا وَهَذَا - يَعْنِي كَوْنَ الرُّوحِ مَخْلُوقَةً - مِمَّا لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ وُفِّقَ لِلصَّوَابِ أَنَّ الرُّوحَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الرُّوحِ: قَدْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَوَائِفُ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ وَرَدُّوا عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَصَنَّفَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي ذَلِكَ كِتَابًا كَبِيرًا وَقَبْلَهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وَغَيْرُهُ وَالشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ وَأَبُو يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ وَاشْتَدَّ نَكِيرُهُمْ عَلَى مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ فِي رُوحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَيْفَ بِرُوحِ غَيْرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا كَتَبَهُ فِي مَحْبِسِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ - قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّ ادَّعَى أَمْرًا فَقَالَ أَنَا أَجِدُ آيَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: ١٧١]
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.