للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وجاء في العناية: (بيع شعور الآدميين والانتفاع بها لا يجوز، وعن محمد أنه يجوز الانتفاع بها، استدلالا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين حلق رأسه قسم شعره بين أصحابه، فكانوا يتبركون به، ولو كان نجساً لما فعله، إذ النجس لا يتبرك به.

وجه ظاهر الرواية أن الآدمي مكرم شرعاً غير مبتذل، وما هو كذلك لا يجوز أن يكون شيء من أجزائه مبتذلاً مهاناً، وفي البيع والانتفاع كذلك، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة)) والواصلة من تصل الشعر والمستوصلة من يفعل بها ذلك ... ) (١) .


(١) فتح القدير: جـ٥ ص٣٠٢، وقد أورد البابرتي اعتراضاً هادفاً، وقام بالرد عليه، ونورده في ما يلي نظراً لما يؤكده من النظرة التكريمية للآدمي حيث يقول: (فإن قيل جعل المصنف (المرغيناني) رحمه الله بيع شعر الخنزير إعزازاً له فيما تقدم وجعل بيع شعر الآدمي إهانة له، والبيع حقيقة واحدة، فكيف يجوز أن يكون موجباً لأمرين متنافيين؟؟ وأجيب بأن البيع مبادلة (مال بمال) فلا بد فيه من المبيع، فإن كان مما حقره الشرع فبيعه ومبادلته بما لم يحقره إعزاز له، فلا يجوز لإفضائه إلى إعزاز ما حقره الشرع، وإن كان ما كرمه وعظمه فبيعه ومبادلته بما ليس كذلك إهانة له، فلا يجوز لإفضائه إلى تحقير ما علمه الشرع، فليس ذلك من البيع في شيء، وإنما هو من وصف المحل شرعاً. ثم إن عدم جوازهما ليس للنجاسة على الصحيح؛ لأن شعر غير الإنسان لا ينجس بالمزابلة، فشعره وهو طاهر أولى، ولأن في تناثر الشعر ضرورة، وهي تنافى النجاسة. وقال الشافعي: نجس لحرمة الانتفاع به، وهو محجوج للضرورة. ولا بأس باتخاذ القراميل، وهي ما يتخذ من الوبر ليزيد في قرون النساء، أي في أصول شعرهن بالتكثير، وفي ذوائبهن بالتطويل. وقد علق قاضي زاده على قول البابرتي: (واجيب بأن البيع مبادلة فلا بد فيه من البيع ... إلخ) بقوله: (أقول: فيه بحث؛ إذ لو تم ما ذكره لكان البيع بما يماثله في التحقير والتعظيم جائزاً، وليس كذلك، إلا أن يقال: لا نظير لذلك في الشرع وفيه تأمل. أو يقال ما ذكرته كلام على السند، ولعل الأولى أن يقال في جواب أصل السؤال: إن بعض الأشياء خلق مالكاً فجعله مملوكاً إهانة له، لكونه حطاً عن درجته، وبعض الأشياء أخرجه الله تعالى عن دائرة الانتفاع والمملوكية، فجعله مملوكاً رفع له عن درجته، ولا بعد في إيجاب الشيء الواحد أمرين متنافيين في محلين مختلفين، ألا يرى أن الشمس تبيض الثوب، وتسود وجه القصار، وتعقد الملح وتذيب الشمع، فليتأمل) .

<<  <  ج: ص:  >  >>