قلت: حاول البعض أن يستظهر بحديث عمر والعباس هذا , لما ذهب إليه من عدم جواز الملك للمصلحة العامة , وأنه ولا بد من استرضاء المالك , فإن لم يرض , فلا سبيل إلى أحد أيا كان إلى ما يملك , وإن تعينت المصلحة العامة واستحال إنجازها بغير الحصول على ملك ذلك المتعنت , وهو استدلال خاطئ من وجوه: أحدها: أن عمر قال للعباس في رواية الحاكم حين أبى أن يبيعها أو يتصدق بها أو يعارض عليها: إذن أغلبك عليها. وقال له في إحدى الروايات التي نقلها السيوطي عن عبد الرزاق: لآخذنها. قال: فاجعل بيني وبينك أبي بن كعب. الحديث.
وفي رواية أخرى نقلها السيوطي عن عبد الرزاق لم ترد كلمة "لآخذنها"، أو "إذن أغلبك عليها"، أو ما في معناهما , وإنما وردت كلمة لا بد لك من إحداهن أي: البيع أو المعارضة أو الصدقة , ووردت على لسان العباس كلمة "خذ بيني وبينك رجلًا ". وفي هذه الرواية أن عمر هو الذي أخذ أبي بن كعب , وسنعود بعد قليل إلى هذا الاضطراب، أما الذي يعنينا الآن , فهو أن "التحكيم " جاء حسب ثلاث من هذه الروايات بعد إنذار أو ما يشبهه من عمر للعباس رضي الله عنهما بانتزاع ملكية الدار استجابة للمصلحة العامة التي تعينت بالضرورة لحاجة المسلمين , وقد كثروا إلى توسيع المسجد النبوي , وأن التحكيم كان نتيجة للتراضي بينهما , وهذا يعنى أن عمر لم يتزحزح عن مبدأ حق الإمام في انتزاع الملك للمصلحة العامة أو للضرورة , وإن رضي قبل تطبيقه بالتحكيم ما زال عند حكم الحكم احترامًا للحكم أو للعباس أو لهما معًا وللصحابة الذين شهدوا بصحة رواية أبي , أو على أمل أن يتراجع العباس عن تصلبه إذ أدرك عمر - من قبوله أو اقتراحه التحكيم أن تصلبه ذاك إنما كان مصدره إباء العباس من أن يفرض عليه أمر , وإصراره على أن لا يتأمر عليه أحد وعلى أن تكون له الكلمة العليا فيما يتصل بشؤونه الخاصة أو ما يراه متصلًا بشؤونه الخاصة، ولكي ندرك وجاهة هذا الاحتمال ينبغي أن نستحضر ما رواه أصحاب السنن من توسل عمر بالعباس في "الاستسقاء " (١) بعد لحاق الرسول صلى الله
عليه وسلم بالرفيق الأعلى باعتباره عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيط به العباس من إجلال وتبجيل حتى لقد احتمل زكاته وجعلها في ذمته (٢) عندما أخبروه بامتناع العباس من إخراجها مما هو مبسوط في كتب السنة والمناقب بطرق لا سبيل إلى الغمز فيها , وما كان مثل هذا التبجيل ليخفى على عمر , وما كان ليغفل عنه , وهو يواجه الخلاف بينه وبين العباس على إضافة دار العباس إلى المسجد النبوي، ثم إن العباس كان رجلًا مهيبًا (٣) قوي الاعتداد بنفسه , لا يكاد يقبل أن ترد له كلمة , ولا يكاد أحد يجرؤ على أن يردها له , وذلك مستفيض في أبواب المناقب من مدونات السنن وفضلًا عن ذلك كله , فقد درج أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على ملاطفة بني هاشم ملاطفة استثنائية - والعباس عميدهم لسنه - راعيا لما هجس في خواطر بعضهم - ربما في خواطرهم جميعًا - من خروج الخلافة منهم , وكانوا يأملون فيها؛ لأنهم أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طالبوه به غفلة منهم عن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)) قال البخاري (ج: ٤. ص: ٢٠٩ و٢١٠) : حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب , عن الزهري قال: حدثني عروة بن الزبير , عن عاثشة رضي الله عنها , أن فاطمة عليها السلام أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم فيما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم تطلب صدقة النبي صلى الله عليه وسلم التي بالمدينة وفدك , وما بقي من خمس خيبر , فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا نورث ما تركنا فهو صدقة)) إنما يأكل آل محمد من هذا المال - يعنى مال الله - ليس لهم أن يزيدوا على المأكل , وإني والله لا أغير شيئًا من صدقات النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت عليها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم , ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتشهد علي , ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك , وذكر قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم , فتكلم فقال: والذي نفسي بيده , لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي.
أخبرني عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد , حدثنا شعبة , عن واقد قال: سمعت أبي يحدث , عن ابن عمر , عن أبي بكر رضي الله عنهم قال: ارقبوا محمدا في أهل بيته.
ورواه من هذه الطريق , ومن أخرى غيره من أصحاب السنن والمؤرخين , والحديث أشهر من أن نفيض في تخريجه
(١) سيأتي بيانه بعد قليل.
(٢) سيأتي بيانه بعد قليل
(٣) قال الذهبي (سير أعلام النبلاء ج: ٢. ص: ٧٩. ترجمة: ١١) : قال الكلبي: كان العباس شريفًا مهيبًا عاقلًا جميلًا أبيض بضًا , له ضفيرتان معتدل القامة.