للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال البيهقي (السنن. ج: ٦. ص: ١٤٣) : أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أنبأنا الحسن بن علي بن عفان , حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا محمد بن فضيل , عن ليث , عن طاوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عادي الأرض لله ولرسوله , ثم لكم من بعد، فمن أحيا شيئًا من موتان الأرض , فله رقبتها)) . وبه قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن إدريس , عن ليث , عن طاوس , عن ابن عباس قال: إن عادي الأرض لله ولرسوله ولكم من بعد , فمن أحيا شيئًا من موتان الأرض , فهو أحق به. وقد روي الحديث بألفاظ أخرى وطرق أخرى ولكنها جميعًا تدل على نفس الحكم.

اختلف العلماء - رضي الله عنهم - في هذا القول: هل تصرف بالفتوى , فيجوز لأحد أن يحيي أذن الإمام في ذلك الإحياء أم لا , وهو مذهب مالك والشافعي رضي الله عنهما , وهو تصرف منه عليه السلام بالإمامة , فلا يجوز لأحد أن يحيي إلا بإذن الإمام , وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله , وأما تفرقة مالك بين ما قرب من العمارة , فلا يحيى إلا بإذن الإمام , وبين ما بعد فيجوز بغير إذنه , فليس من هذا الذي نحن فيه , بل هو من قاعدة أخرى , وهي أن ما قرب من العمران يؤدي إلى التشاجر والفتن وإدخال الضرر , فلا بد فيه من نظر الأئمة دفعًا لذلك المتوقع , كما تقدم , وما بعد من ذلك لا يتوقع فيه شيء من ذلك , فيجوز، ومذهب مالك والشافعي في الإحياء أرجح؛ لأن الغالب في تصرفه صلى الله عليه وسلم الفتيا والتبليغ , والقاعدة: أن الدائرة بين الغالب والنادر إضافته إلى الغالب أولى.

قلت: وقد أظهر التطور الحضاري أن ليس ثمة خلاف بين مالك والشافعي من جانب وأبي حنيفة من جانب آخر في جوهر الأمر، ولكن في شكله , ذلك بأن إلغاء المسافة أو انتقاءها وهيمنة التخطيط والتحفظ وحاجة الدولة إلى ضبط جميع أعمال الإعمار والتمييز بين ما يخصص للبناء وما يخصص للفلاحة وما يترك للرعي وما ينتظر به إلى أن تصل إليه أعمال الإعمار , كل ذلك يوضح أن فتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بالأحرى حكمه كان بمقتضى الإمامة , وأن تفرقة مالك والشافعي بين ما قرب من العمارة وما بعد، كانت نمطًا من الإلهام الإلهي , فكأنما كشف الله لهما عما سيصير إليه أمر الإنسان وحضارته في المستقبل على حين أن حكم أبي حنيفة كان دليلًا على بعد نظره في تصور الآماد التي ينبغي اعتبارها فيما يتصل بفهم النصوص الشرعية المتعلقة بالمعاملات.

<<  <  ج: ص:  >  >>