للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وآية ذلك أنه عتب على محمد بن مسلمة إن لم يقبل النفقة التي عرضها عليه سعد ليبرهن على أنه لم يكن غاضبًا على سعد حين أصدر أمره ذاك , وأنه جعل سعدًا أحد السبعة الذين رشحهم للخلافة , ونصح للخليفة بعده إن لم يكن سعدًا أن يستعين بسعد , وتبرأ من أن يكون عزله عن عمله بالكوفة اشتباهًا في خيانته أو كفاءته.

وقد نلتقي مع عمر وتصرفاته التشريعية البديعة فيما نستقبل من هذا البحث , فهو كاشف أسرار قاعدة (التصرف بمقتضى الإمامة) اعتبارًا للمصلحة العامة والمعلن بعمله أنها أهم مناطق للتشريع الإسلامي في المعاملات وغيرها مما يتصل بحياة البشر , بل وحتى في بعض شعائر العبادات.

١٧ - المصلحة العامة مناط للتشريع

قال ابن منظور (١) :

" المصلحة: الصلاح، والمصلحة واحدة المصالح. والاستصلاح: نقيض الاستفساد ".

وقال (٢) :

" المفسدة خلاف المصلحة. والاستفساد خلاف الاستصلاح , وقالوا: هذا الأمر مفسدة لكذا، أي: فيه فساد، قال الشاعر:

إن الشباب والفراغ والجده مفسدة للعقل أي مفسده

وفي الخبر: أن عبد الملك بن مروان أشرف على أصحابه وهم يذكرون سيرة عمر , فغاظه ذلك، فقال: إيها عن ذكر عمر , فإنه إزراء على الولاة مفسدة للرعية.

وقد اشتبه على كثير من المتفقهة المقلدة من المحدثين ومن سبقهم بعد عصور الرواية والاجتهاد الأولى التمييز بين عموم لفظ " المصالح " وخصوص لفظ " المصالح المرسلة " , فخيل إليهم أنهما شيء واحد , وانطلقوا من هذا " الخيال " ينسبون أحكامًا مقررة أو يصدرون اجتهادات لبعض ما استجد من الأحداث والأحوال , وبذلك وقعوا في مزالق , أيسرها أن بعض الأحكام الثابتة بدلالة نص نقلي من فعل أو قول تخيلوها من " المصالح المرسلة ".


(١) لسان العرب: ج ٢. ص: ٥١٧
(٢) لسان العرب. ج: ٣. ص: ٣٥٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>