فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ ظَالِمُونَ قَبْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَأَنَّهُ لَا يُهْلِكُهُمْ بِهَذَا الظُّلْمِ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَالْآيَةُ رَدٌّ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا، مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ الظُّلْمُ وَالْقُبْحُ إِلَّا بِالسَّمْعِ، وَمَنْ يَقُولُ: إِنَّهُمْ مُعَذَّبُونَ عَلَى ظُلْمِهِمْ بِدُونِ السَّمْعِ، فَالْقُرْآنُ يُبْطِلُ قَوْلَ هَؤُلَاءِ وَقَوْلَ هَؤُلَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: ٤٧] فَأَخْبَرَ: أَنَّ مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ قَبْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ سَبَبٌ لِإِصَابَتِهِمْ بِالْمُصِيبَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ قَبْلَ إِرْسَالِ الرَّسُولِ الَّذِي يُقِيمُ بِهِ حُجَّتَهُ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: ١٦٥] وَقَالَ تَعَالَى {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ - أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ - أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧] وَقَوْلُهُ {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [الزمر: ٥٦]- إِلَى قَوْلِهِ - {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الزمر: ٥٩] وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، يُخْبِرُ أَنَّ الْحُجَّةَ إِنَّمَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ بِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا نَبَّهَهُمْ بِمَا فِي عُقُولِهِمْ وَفِطَرِهِمْ: مِنْ حُسْنِ التَّوْحِيدِ وَالشُّكْرِ، وَقُبْحِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُسْتَوْفَاةً مِنْ كِتَابِ مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ نَحْوًا مِنْ سِتِّينَ وَجْهًا، تُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ نَفَى الْقُبْحَ الْعَقْلِيَّ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَفْعَالِ مَا يَقْتَضِي حُسْنَهَا وَلَا قُبْحَهَا، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِعَيْنِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَيَنْهَى عَنْ عَيْنِ مَا أَمَرَ بِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، لَا بِحُسْنٍ هَذَا وَقُبْحِ هَذَا، وَأَنَّهُ لَوْ نَهَى عَنِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ وَالشُّكْرِ لَكَانَ قَبِيحًا، وَلَوْ أَمَرَ بِالشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ لَكَانَ حَسَنًا، وَبَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُخَالِفٌ لِلْعُقُولِ وَالْفِطَرِ، وَالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
وَالْمَقْصُودُ: الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ " وَيَجِبُ بِالسَّمْعِ "، وَأَنَّ الصَّوَابَ وُجُوبُهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.