وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك. قال الإمام مالك، عن ابن شهاب، عن قَبيصة بن ذُؤيب: أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحَرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب النبي ﷺ، فسأله عن ذلك فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا. قال مالك: قال ابن شهاب: أرَاه علي بن أبي طالب: قال: وبلغني عن الزبير بن العوام مثل ذلك.
قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر النَّمَري، ﵀، في كتابه "الاستذكار": إنما كني قبيصة بن ذُؤيب عن علي بن أبي طالب، لصحبته عبد الملك بن مروان، وكانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب، ﵁.
ثم قال أبو عمر،﵀: حدثني خلف بن أحمد، ﵀، قراءة عليه: أن خلف بن مطرف حدثهم: حدثنا أيوب بن سليمان وسعيد (١) بن سليمان ومحمد بن عمر بن لبابة قالوا: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري (٢) عن موسى بن أيوب الغافقي، حدثني عمي إياس بن عامر قال: سألت علي بن أبي طالب [﵁](٣) فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني، اتخذت إحداهما سرية فولدت لي أولادًا، ثم رغبت في الأخرى، فما أصنع؟ فقال علي،﵁: تعتق التي كنت تطَأُ ثم تطأ الأخرى. قلت: فإن ناسًا يقولون: بل تَزَوّجها ثم تطأ الأخرى. فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها أليس ترجع إليك؟ لأن تعتقها أسلم لك. ثم أخذ علي بيدي فقال لي: إنه يحرم عليك ما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله ﷿ من الحرائر إلا العدد -أو قال: إلا الأربع-ويَحْرُم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب.
ثم قال أبو عمر: هذا الحديث رحلة (٤) لو لم يصب الرجل من أقصى المشرق أو المغرب (٥) إلى مكة غيره لما خابت رحلته (٦).
قلت: وقد روي عن علي نحو ما تقدم (٧) عن عثمان، وقال أبو بكر بن مردويه:
حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن العباس، حدثني محمد بن عبد الله بن المبارك المخرّمي (٨) حدثنا عبد الرحمن بن غَزْوان، حدثنا سفيان، عن عَمْرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال لي علي بن أبي طالب: حرمتهما آية وأحلتهما آية -يعني الأختين-قال ابن عباس: يحرمهن علي قرابتي منهن، ولا يحرمهن على قرابة بعضهن من بعض -يعني الإماء-وكانت الجاهلية يحرمون ما تُحَرَّمون إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فلما جاء الإسلام أنزل الله [عز
(١) في ر، أ: "معبد". (٢) في أ: "المقبري". (٣) زيادة من جـ، أ. (٤) في ر: "رحلة رجل". (٥) في جـ، ر: "أقصى المغرب أو المشرق". (٦) الاستذكار لابن عبد البر (١٦/ ٢٥٢). (٧) في أ: "ما روى". (٨) في أ: "المخزومي".