يُسرّ إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفا، وكما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ [تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ](١)﴾ الآية [الأنفال: ٢٦]، وهذا هو مذهب سعيد بن جبير، كما رواه الثوري، عن حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد بن جبير في قوله:(كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) تخفون إيمانكم في المشركين.
ورواه عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله:(كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) تستخفون بإيمانكم، كما استخفى (٢) هذا الراعي بإيمانه.
وهذا اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: وذُكر عن قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير قوله:(كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) [تورعون عن مثل هذا، وقال الثوري عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق:(كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ)] (٣) لم تكونوا مؤمنين (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [فَتَبَيَّنُوا) وقال السدي: (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)] (٤) أي: تاب عليكم، فحلف أسامة لا يقتل (٥) رجلا يقول: "لا إله إلا الله" بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله ﷺ فيه.
وقوله:(فَتَبَيَّنُوا) تأكيد (٦) لما تقدم. وقوله:(إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) قال سعيد بن جبير: هذا تهديد ووعيد.
قال البخاري: حدثنا حفص بن عمر (٧) حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) دعا رسول الله ﷺ زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته فأنزل الله [﷿](٨)(غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)
حدثنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) قال النبي ﷺ: " ادع فلانا " فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف فقال: " اكتب: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " وخَلْف النبي ﷺ ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، أنا ضرير فنزلت مكانها:(لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ)(٩)
وقال البخاري أيضا: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح بن
(١) زيادة من ر، أ. (٢) في أ: "يستخفى" (٣) زيادة من أ. (٤) زيادة من أ. (٥) في ر: "لا يقاتل". (٦) في ر: "تأكيدا". (٧) في أ: "عمرو". (٨) زيادة من ر، أ. (٩) صحيح البخاري برقم (٤٥٩٣) ورقم (٤٥٩٤).