الفِطْرَة، فأبواه يُهَوِّدانه، ويُنَصِّرَانه، ويُمَجِّسَانه، كما تولد البهيمة بهيمة جَمْعاء، هل يَحُسّون فيها من جدعاء؟ " وفي صحيح مسلم، عن عياض بن حِمَار قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﷿: إني خلقتُ عبادي حُنَفَاء، فجاءتهم الشياطين فْاجْتَالَتْهُم عن دينهم، وحَرّمت عليهم ما أحللت (١) لهم" (٢).
وقوله تعالى:(وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) أي: فقد خسر الدنيا والآخرة، وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها.
وقوله:(يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا) وهذا (٣) إخبار عن الواقع؛ لأن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك؛ ولهذا قال:(وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا) كما قال تعالى مخبرًا عن إبليس يوم المعاد: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ](٤) إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وقوله: أي: المستحسنون له فيما وعدهم ومناهم (مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) أي: مصيرهم ومآلهم يوم حسابهم (وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا) أي: ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص ولا مناص.
ثم ذكر حال السعداء الأتقياء وما لهم في مآلهم من الكرامة التامة، فقال:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: صَدّقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات (سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) أي: يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) أي: بلا زوال ولا انتقال (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) أي: هذا وعد من الله ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر، وهو قوله:(حقا) ثُمَّ قَال (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا) أي: لا أحد أصدق منه قولا وخبرًا، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وكان رسول الله ﷺ يقول في خطبته: "إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهَدْي هَدْي محمد ﷺ، وشر الأمور مُحْدَثاتها، وكل مُحْدَثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار".
(١) في ر: "ما حللت". (٢) صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥). (٣) في أ: "هذا". (٤) زيادة من ر، أ، وفي هـ" إلى قوله".