للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

القوم-: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال عَليّ لعثمان ولعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حُللهم هذه وخواتيمهم، ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودا إليه. ففعلوا فسلموا، فرد سلامهم، ثم قال: "والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَقَدْ أَتَوْنِي الْمرَّةَ الأولَى، وإنَّ إبْلِيسَ لَمَعَهُم" ثم ساءلهم وساءلوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى، فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى، يسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه (١)؟ قال رسول الله : "مَا عِنْدِي فِيهِ شِيء يَوْمِي هَذَا، فَأَقِيمُوا حَتَّى أُخْبِرَكُمْ بما (٢) يقول لي رَبِّي في عيسَى". فأصبح الغد وقد أنزل الله، ﷿، هذه الآية: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى (٣) الْكَاذِبِينَ) فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله الغد بعد ما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خَمِيل له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي (٤) وإني والله أرى أمرا ثقيلا والله لئن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا، فكنا أول العرب طعن في عينيه (٥) ورد عليه أمره، لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة، وإنا لأدنى العرب منهم جوارا، ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعَنَّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شَعْر ولا ظُفُر إلا هلك. فقال (٦) له صاحباه: يا أبا مريم، فما الرأي؟ فقال: أرى (٧) أن أحكمه، فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا. فقالا له: أنت وذاك. قال: فلقي (٨) شرحبيلُ رسولَ الله ، فقال له: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك. فقال: "وما هو؟ " فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز. فقال رسول الله : "لَعَلَّ وَرَاءكَ أحَدًا يَثْرِبُ عَلْيكَ؟ " فقال شرحبيل: سل صاحبي. فسألهما فقالا ما يرد الوادي ولا يَصْدرُ إلا عن رأي شرحبيل: فَرَجع رسول الله فلم يلاعنهم، حتى إذا كان الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب: "بِسْم الله الرحمنِ الرَّحِيم، هَذَا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ النَّبِي رَسُولُ اللهِ لِنَجْرَانَ -إنْ كَانَ عَلَيْهِمْ حُكْمَهُ-فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ وَكُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَودَاءَ وَرَقِيقٍ فَاضِلٍ (٩) عَلَيْهِمْ، وتَرْك ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُمْ، عَلَى أَلْفَي حُلَّةٍ، فِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، وفِي كُلِّ صَفَرٍ ألْفُ حُلَّةٍ" وذكر تمام الشروط وبقية السياق (١٠).

والغرض أن وفودهم (١١) كان في سنة تسع؛ لأن الزهري قال: كان أهل نجران أول من أدى الجزية إلى رسول الله ، وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (١٢)[التوبة: ٢٩].

وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن داود المكي، حدثنا بشر بن


(١) في جـ: "فيه ما تقول".
(٢) في أ: "ما".
(٣) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى قوله".
(٤) في ر: "رأي".
(٥) في جـ، ر: "عينه".
(٦) في أ: "فقالا".
(٧) في ر: "رأيي".
(٨) في جـ: "فتلقى"، وفي ر: "فيلقى".
(٩) في و: "فافضل".
(١٠) دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٣٨٥).
(١١) في أ: "ورودهم".
(١٢) زيادة من جـ، أ، ر، و، وفي هـ: "الآية".