قُشَير، ما أسمعه إلا كالحلم، [يقول](١): " لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا " فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله [تعالى](٢)(لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) لقول مُعتَب. رواه ابن أبي حاتم.
قال الله تعالى:(قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) أي: هذا قدر مقدر من الله ﷿، وحكم حَتْم لا يحاد (٣) عنه، ولا مناص منه.
وقوله:(وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) أي: يختبركم بما جرى عليكم، وليميز الخبيثَ من الطيب، ويظهر أمْرَ المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال، (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: بما يختلج (٤) في الصدور من السرائر والضمائر.
ثم قال (٥) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) أي: ببعض ذنوبهم السالفة، كما قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من جَزَاء السيئةَ السيئة بعدها (٦).
ثم قال تعالى:(وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) أي: عَمّا كان منهم من الفرار (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) أي: يغفر الذنب ويحلُم عن خلقه، ويتجاوز عنهم، وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان، ﵁، وتوليه يوم أحد، وأن الله [قد](٧) عفا عنهم، عند قوله:(وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) ومناسب ذكره هاهنا.
قال (٨) الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عَمْرو، حدثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق، قال: لقي عبدُ الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة (٩) فقال له الوليد: ما لي أراك جفوتَ أمير المؤمنين عثمانَ؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم عَيْنَيْن (١٠) -قال عاصم: يقول يوم أحد-ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سُنة عمر. قال: فانطلق فَخَبر ذلك عثمان، قال: فقال: أما قوله: إني لم أفر يوم عَيْنَيْن (١١) فكيف يعَيرني بذَنْب قد (١٢) عفا الله عنه، فقال:(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) وأما قولُهُ: إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقَيَّة بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهِد. وأما قوله:"إني لم أترك سنَّة عمر" فإني لا أطيقها ولا هو، فأته فحدثه بذلك (١٣).
(١) زيادة من ر. (٢) زيادة من ر، وفي جـ، أ: "﷿". (٣) في ر، أ، و: "مجيد". (٤) في جـ، ر، أ: "يتخالج". (٥) في أ: "وقال". (٦) في جـ، ر، أ، و: "إن من جزاء السيئة السيئة بعدها وإن من جزاء الحسنة الحسنة بعدها". (٧) زيادة من جـ، ر، أ، و. (٨) في ر، أ، و: "وقال". (٩) في و: "عتبة". (١٠) في جـ، ر، أ: "حنين". (١١) في ر، أ: "حنين". (١٢) في جـ، ر، أ، و: "بذلك وقد". (١٣) المسند (١/ ٦٨).