خِلَافٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ جِبْرِيلَ لَهَا {قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً} أَيْ لِأَكُونَ سَبَبًا فِي هِبَةِ الْغُلَامِ بِالنَّفْخِ فِي الدِّرْعِ الَّذِي وَصَلَ إِلَى الْفَرْجِ، فَصَارَ بِسَبَبِهِ حَمْلُهَا عِيسَى. وَبَيَّنَ تَعَالَى فِي سُورَةِ «التَّحْرِيمِ» أَنَّ هَذَا النَّفْخَ فِي فرجهَا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ «فِيهِ» رَاجِعٌ إِلَى فَرْجِهَا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي «الْأَنْبِيَاءِ» : {وَالَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} لِأَنَّ النَّفْخَ وَصَلَ إِلَى الْفَرْجِ فَكَانَ مِنْهُ حَمْلُ عِيسَى، وَبِهَذَا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ الْآيَة.
وَقَالَ بعض الْعلمَاء: قَول جِبْرِيل {رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ} حِكَايَةٌ مِنْهُ لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكَ، وَقَدْ قَالَ لِي أَرْسَلْتُكَ لِأَهَبَ غُلَامًا.
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَفِي الثَّانِي بُعْدٌ عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: جَعَلَ الْهِبَةَ مِنْ قِبَلِهِ لَمَّا كَانَ الْإِعْلَامُ بِهَا مِنْ قِبَلِهِ، وَبِهَذَا صَدَّرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَأَظْهَرُهَا الْأَوَّلُ: وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (١) .
(١) - وَقَالَ أَيْضا الْعَلامَة الشنقيطي - رَحمَه الله - (١/٣٨١ - ٣٨٢) (النِّسَاء/١٧١) : [قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} ، لَيْسَتْ لَفْظَةُ «مِن» فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّبْعِيضِ، كَمَا يَزْعُمُهُ النَّصَارَى افْتِرَاءً عَلَى اللَّه، وَلَكِنْ «مِن» هُنَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، يَعْنِي: أَنَّ مَبْدَأَ ذَلِكَ الرُّوحِ الَّذِي وُلِدَ بِهِ عِيسَى حَيًّا مِنَ اللَّه تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَحْيَاهُ بِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ هُنَا لابتداء الْغَايَة. {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ} ، أَيْ: كَائِنًا مَبْدَأُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْهُ جَلَّ وَعَلَا وَيَدُلُّ لِمَا ذَكَرْنَا مَا رُوِيَ عَنْ أُبيّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: «خَلَقَ اللَّه أَرْوَاحَ بَنِي آدَمَ لَمَّا أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ، ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى صُلْبِ آدَمَ، وَأَمْسَكَ عِنْدَهُ رُوحَ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ» ؛ فَلَمَّا أَرَادَ خَلْقَهُ أَرْسَلَ ذَلِكَ الرُّوحَ إِلَى مَرْيَمَ، فَكَانَ مِنْهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ لِلتَّفْضِيلِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَرْوَاحِ مِنْ خَلْقِهِ جَلَّ وَعَلَا، كَقَوْلِهِ: {وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ} ، وَقَوله: {نَاقَةُ اللَّهِ} . وَقِيلَ: قَدْ يُسَمَّى مَنْ تَظْهَرُ مِنْهُ الْأَشْيَاءُ الْعَجِيبَةُ رُوحًا وَيُضَافُ إِلَى اللَّه، فَيُقَالُ: هَذَا رُوحٌ مِنَ اللَّه، أَيْ: مِنْ خَلْقِهِ، وَكَانَ عِيسَى يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الْمَوْتَى بِإِذن اللَّه، فاستحقّ هَذَا الِاسْم، وَقيل: سمي روحًا بِسَبَب نفخة جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام الْمَذْكُورَة فِي سُورَة «الْأَنْبِيَاء» «وَالتَّحْرِيم» ، وَالْعرب تسمي النفخ روحًا؛ لِأَنَّهُ ريح تخرج من الرّوح، وَمِنْه قَول ذِي الرمة:فَقلت لَهُ: ارفعها إِلَيْك وأحيها ... بروحك واقتته لَهَا قيتة قدراوعَلى هَذَا القَوْل، فَقَوله: {وَرُوحٌ} مَعْطُوف على الضَّمِير الْعَائِد إِلَى اللَّه الَّذِي هُوَ فَاعل أَلْقَاهَا، قَالَه الْقُرْطُبِيّ، واللَّهتَعَالَى أعلم.وَقَالَ بعض الْعلمَاء: {وَرُوحٌ مّنْهُ} ، أَي: رَحْمَة مِنْهُ، وَكَانَ عِيسَى رَحْمَة من اللَّه لمن اتبعهُ، قيل وَمِنْه: {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ} ، أَي: برحمة مِنْهُ، حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ أَيْضا، وَقيل، {رُوحُ مِنْهُ} ، أَي: برهَان مِنْهُ وَكَانَ عِيسَى برهانًا وَحجَّة على قومه، وَالْعلم عِنْد اللَّه تَعَالَى.] وَانْظُر أَيْضا (٨/٣٨٣ - ٣٨٤) (التَّحْرِيم/١٢) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.