وَسَاهَلَهُمْ فِي الثَّمَنِ مِنْ ذَلِكَ لِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنْ كَسَادِ أَهْلِ سُوقِهِ، وَهَذَا أَيْضًا بَعِيدٌ فَإِنَّ الَّذِينَ يُسَامِحُونَ مِنْ الْمُشْتَرِينَ أَكْثَرُ مِنْ الْكَاسِدِينَ مِنْ أَهْلِ السُّوقَةِ فَلَا تُرَجَّحُ مَصَالِحُ خَاصَّةٌ عَلَى مَصَالِحَ عَامَّةٍ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إذَا بَاعَ، سَمْحًا إذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إذَا قَضَى، سَمْحًا إذَا اقْتَضَى» .
الْمِثَالُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: الْكِتَابَةُ وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ بَيْعُ مِلْكِ السَّيِّدِ وَهُوَ الرَّقَبَةُ بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ اكْتِسَابِ الْعَبْدِ، لَكِنَّ الشَّرْعَ قَدَّرَ الْأَكْسَابَ خَارِجَةً عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ. وَجَعَلَ الْأَعْمَالَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّيِّدِ كَالْمُعَامَلَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ تَحْصِيلًا لِمَصَالِحِ الْعِتْقِ.
وَلَكِنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ شَرَطَ فِي الْكِتَابَةِ التَّنْجِيمَ بِنَجْمَيْنِ. وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى ثَمَنِ دِرْهَمٍ وَأَجَّلَهُ مَثَلًا بِشَهْرٍ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَعَ كَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى تَحْصِيلِ الْعِتْقِ، وَهَذَا لَا يُلَائِمُ أَوْضَاعَ الْعُقُودِ لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْعُقُودِ كَانَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ لِقُرْبِهِ إلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَقَدْ خُولِفَ فِي ذَلِكَ وَمُنِعَ أَيْضًا مِنْ الْكِتَابَةِ الْحَالَّةِ مَعَ كَوْنِهَا مُقْتَضِيَةً لِتَعْجِيلِ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَقَدْ عُلِّلَ ذَلِكَ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ عَنْ النُّجُومِ الْحَالَّةِ، وَقَدْ رُدَّ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ مِنْ الْمُفْلِسِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَبِيعَ فَيَكُونُ مُوسِرًا بِهِ، وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ، فَإِنَّهُ لَوْ اشْتَرَى مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا وَاحِدًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ حَالَّةٍ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ مُعْظَمِ الثَّمَنِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَبَايَعَ اثْنَانِ عَيْنًا غَائِبَةً وَالْمُشْتَرِي مُعْسِرٌ، وَهُمَا فِي بَرِّيَّةٍ وَمَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ فِي الْحَالِ، وَالْبَيْعُ مَعَ ذَلِكَ صَحِيحٌ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَسَّمَ أَمْوَالَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَاتِ وَالضَّرُورَاتِ، وَقَسَّمَ الْغَنَائِمَ أَيْضًا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَاتِ: فَجَعَلَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.