رسولا فجاءهم هذا الرسول وبين ما كانوا يخفون من كتاب الله، فإنهم كانوا يجزأونه أجزاء فيخفون بعضه ويبدون بعضه، تبعا للهوى، فما رأوه في مصلحتهم ومتفقا مع هواهم أعلنوه ونشروه بين الأميين والرعية العوام وما كان مخالفا لأغراضهم وأهوائهم أخفوه، يقول تعالى في هذه الآية: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام﴾ (١) إلى آخر الآيات.
فذكر جل شأنه أن هذا الذي جاءهم على يد رسول الله محمد ﷺ من العهود والمواثيق تكشف أحوالهم فيجب عليهم حينئذ أن يعتبروا وأن يخشوا الفضيحة من كشف الوحي الذي ينزل على رسول الله ﷺ لما دبروه ولما خانوا فيه، كما عليهم أن يرتدعوا وأن يعملوا بالحق وأن يتبعوا رضوان الله جل شأنه ويسيروا على الصراط المستقيم لكنهم أبوا إلا اللجاج والعناد وإلا نقض العهد والميثاق فنقضوا عهد الله في وحدانيته وفي كماله وانتقصوه بنسبة الولد له كما قال الله عنهم: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ (٢).
ورد عليهم ذلك بقوله: ﴿قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا﴾ (٢).
عيسى لا يملك شيئا من الوجود، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ومريم أمه لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، عيسى يحتاج إلى الطعام والشراب وإلى أن يقضي من شأنه ويتخلص من فضلات طعامه، ومريم أيضا صديقة إنسانة تأكل وتشرب وتحتاج إلى أن تتخلص من فضلات الطعام الذي تناولته فيقول الله تعالى: ﴿قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا﴾ (٢).
من يملك لعيسى ولأمه التخلص من مقت الله وغضبه إذا أراد أن يهلكهما
(١) سورة المائدة، الآيات: ١٥ - ١٦. (٢) سورة المائدة، الآية: ١٧.