النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَن قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ أَجْذَمُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ: "مَن تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
وَكَذَلِكَ الشُّرُوعُ فِي عَمَلِ الْجِهَادِ، فَإِنَ الْمسْلِمِينَ إذَا صافوا عَدُوًّا أَو حَاصَرُوا حِصْنًا لَيْسَ لَهُم الِانْصِرَاف عَنْهُ حَتَّى يَفْتَحُوه، وَلذَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَنْزِعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ" (٢).
فَالْمُرْصَدُونَ لِلْعِلْمِ عَلَيْهِم لِلْأُمَّةِ حِفْظُ عِلْمِ الدِّينِ وَتَبْلِيغُهُ، فَإِذَا لَمْ يُبَلِّغوهُم عِلْمَ الدِّينِ أَو ضَيَّعُوا حِفْظَهُ: كَانَ ذَلِكَ مِن أَعْظَمِ الظُّلْمِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)} [البقرة: ١٥٩]، فَإِنَّ ضَرَرَ كِتْمَانِهِمْ تَعَدَّى إلَى الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهَا؛ فَلَعَنَهُم اللَّاعِنُونَ حَتَّى الْبَهَائِمُ.
كَمَا أَنَّ مُعَلّمَ الْخَيْرِ يُصَلّي عَلَيْهِ اللهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْبَحْرِ وَالطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ.
وَكَذَلِكَ كَذِبُهُم فِي الْعِلْمِ مِن أَعْظَمِ الظُّلْمِ، وَكَذَلِكَ إظْهَارُهُم لِلْمَعَاصِي وَالْبِدَعِ الَّتِي تَمْنَعُ الثّقَةَ بِأَقْوَالِهِمْ، وَتَصْرِفُ الْقُلُوبَ عَن اتِّبَاعِهِمْ وَتَقْتَضِي مُتَابَعَةَ النَّاسِ لَهُم فِيهَا: هِيَ مِن أَعْظَمِ الظُّلْمِ، وَيسْتَحِقُّونَ مِن الذَّمِّ وَالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَن أَظْهَرَ الْكَذِبَ وَالْمَعَاصِيَ وَالْبِدَعَ مِن غَيْرِهِمْ.
فَتَرْكُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِتَبْلِيغِ الدِّينِ كَتَرْكِ أَهْلِ الْقِتَالِ لِلْجِهَادِ.
٣٣٦٤ - الْهَجْرُ الشَّرْعِيُّ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى التَّرْكِ لِلْمُنْكَرَاتِ.
وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا.
(١) (١٩١٩)، من حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بلفظ: "مَن عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا" أَو "قَد عَصَى".(٢) صحَّحه الألباني في فقه السيرة (٢٥٠).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.