وَلَمْ يَكُن أَحَدٌ إذ ذَاكَ يَتَكَلَّم فِي يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَلَا كَانَ الْكلَامُ فِيهِ مِن الدِّينِ، ثُمَّ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْيَاءُ، فَصَارَ قَوْمٌ يُظْهِرُونَ لَعْنَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوَيةَ، وَرُبَّمَا كَانَ غَرَضُهُم بِذَلِكَ التَّطَرُّقَ إلَى لَعْنَةِ غَيْرِهِ، فَكَرِهَ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَعْنَةَ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِمَن كَانَ يَتَسَنَّنُ؛ فَاعْتَقَدَ أَنَّ يَزِيدَ كَانَ مِن كِبَارِ الصَّالِحِينَ وَأَئِمَّةِ الْهُدَى، وَصَارَ الْغُلَاةُ فِيهِ عَلَى طَرَفَيْ نَقِيضِ.
وَهَذَا الْغُلُوُّ فِي يَزِيدَ مِن الطَّرَفَيْنِ خِلَافٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
فَإِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيةَ وُلدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عفان -رضي الله عنه-، وَلَمْ يُدْرِك النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، وَلَا كَانَ مِن الصَّحَابَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا كَانَ مِن الْمَشْهُورِينَ بِالدِّينِ وَالصَّلَاحِ، وَكَانَ مِن شُبَّانِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا كَانَ كَافِرًا وَلَا زِنْدِيقًا، وَتَوَلَّى بَعْدَ أَبِيهِ عَلَى كَرَاهَةٍ مِن بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَرضى مِن بَعْضِهِمْ، وَكَانَ فِيهِ شَجَاعَةٌ وَكَرَمٌ، وَلَمْ يَكن مُظْهِرًا لِلْفَوَاحِشِ كَمَا يَحْكِي عَنْهُ خُصُومُهُ.
وَجَرَتْ فِي إمَارَتِهِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ:
أَحَدُهَا: مَقْتَل الْحُسَيْنِ -رضي الله عنه-، وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَلَا أَظْهَرَ الْفَرَحَ بِقَتْلِهِ، وَلَا نَكَّتَ بِالْقَضِيبِ عَلَى ثَنَايَاهُ -رضي الله عنه-، وَلَا حَمَلَ رَأْسَ الْحُسَيْنِ -رضي الله عنه- إلَى الشَّامِ، لَكِنْ أَمَرَ بِمَنْعِ الْحُسَيْنِ -رضي الله عنه- وَبِدَفْعِهِ عَن الأمْرِ وَلَو كَانَ بِقِتَالِهِ.
فَزَادَ النُّوَّابُ عَلَى أَمْرِهِ.
فَطَلَبَ مِنْهُم الْحُسَيْنُ -رضي الله عنه- أَنْ يَجِيءَ إلَى يَزِيدَ أَو يَذْهَبَ إلَى الثَّغْرِ مُرَابِطًا أَو يَعُودَ إلَى مَكَةَ، فَمَنَعُوهُ -رضي الله عنه- إلَّا أَنْ يَسْتَأْسِرَ لَهُمْ، وَأَمَرَ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ بِقِتَالِهِ- فَقَتَلُوهُ مَظْلُومًا- لَهُ وَلطَائِفَة مِن أَهْلِ بَيْتِهِ -رضي الله عنهم-.
وَكَانَ قَتْلُهُ -رضي الله عنه- مِن الْمَصَائِبِ الْعَظِيمَةِ؛ فَإِنَّ قَتْلَ الْحُسَيْنِ وَقَتْلَ عُثْمَانَ قَبْلَة: كَانَا مِن أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْفِتَنِ فِي هَذِهِ الْأمَّةِ، وَقَتَلَتُهُمَا مِن شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ.
وَلَمَّا قَدِمَ أَهْلُهُم -رضي الله عنهم- عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوَيةَ أَكْرَمَهُم وَسَيَّرَهم إلَى الْمَدِينَةِ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.