وَأَمَّا سَائِرُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ -مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالشَّامِ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ، مِثْل ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ-: فَتَارَةً يُحَلِّفُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَمَا جَاءَت بِذَلِكَ السُّنَّةُ.
وَالْأَصْلُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْيَمِينَ مَشْرُوعَةٌ فِي أَقْوَى الْجَانِبَيْنِ.
وَأَجَابُوا عَن ذَلِكَ الْحَدِيثِ: تَارَةً بِالتَّضْعِيفِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ عَامٌّ، وَأَحَادِيثُهُم خَاصَّةً، وَتَارَةً بِأَنَّ أَحَادِيثَهُم أَصَحُّ وَأَكْثَرُ، فَالْعَمَلُ بِهَا عِنْدَ التَّعَارُضِ أَوْلَى.
وَقَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَنَّهُ طَلَبَ الْبَيِّنَةَ مِن الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ مِن الْمُنْكِرِ" فِي حُكُومَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، لَيْسَتْ مِن جِنْسِ دَعَاوَى التُّهَمِ، مِثْل مَا خَرَّجَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ حُكُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "شَاهِدَاكَ أَو يَمِينُهُ" .. وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ: "بَيِّنَتُكَ إنَّهَا بِئْرُكَ، وَإِلَّا فَيَمِينُهُ" (٢).
وَعَن وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ مِن حَضْرَ مَوْتَ، وَرَجُلٌ مِن كِنْدَةَ إلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ الَّذِي مِن حَضْرَمَوْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَت لِأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ؛ هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "ألكَ بَيِّنَةٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَلَكَ يَمِينُهُ لا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ الرَّجُلُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِن شَيْءٍ، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ"، فَلَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ لِيَحْلِفَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ"" (٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤).
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْمَطْلُوبِ إلَّا الْيَمِينَ، مَعَ ذِكْرِ الْمُدَّعِي لِفُجُورِهِ، وَقَالَ: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ".
(١) البخاري (٢٥١٦)، ومسلم (١٣٨).(٢) رواه أحمد (٢١٨٤٨).(٣) يا له من وعيد شديد، وعقاب عظيم لمن يأخذ حق غيره ويحلف بالله كاذبًا.(٤) (١٣٩).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.