أَيْ يَنْظُرُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَشْرُوعَةِ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَغَيْرِهَا أَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى وَجْهٍ شُرِعَتْ فَالْبَيْعُ عَقْدٌ شُرِعَ لِتَمْلِيكِ الْمَالِ بِالْمَالِ وَالْإِجَارَةُ شُرِعَتْ لِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِالْمَالِ فَإِذَا حَصَلَ اشْتِرَاكُ التَّصَرُّفَيْنِ فِي هَذَا الْمَعْنَى تَصِحُّ اسْتِعَارَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ.
(كَالْوَصِيَّةِ، وَالْإِرْثِ) فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اسْتِخْلَافٌ بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا حَصَلَ الْفَرَاغُ مِنْ حَوَائِجِ الْمَيِّتِ كَالتَّجْهِيزِ، وَالدَّيْنِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَمَا يُشْتَرَطُ لِلِاسْتِعَارَةِ فِي غَيْرِ الشَّرْعِيَّاتِ اللَّازِمُ الْبَيِّنُ فَكَذَلِكَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَاللَّازِمُ الْبَيِّنُ لِلتَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ الْمَعْنَى الْخَارِجُ عَنْ مَفْهُومِهَا الصَّادِقِ عَلَيْهَا الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِهَا تَصَوُّرُهُ.
(وَكَالسَّبَبِيَّةِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَالِاتِّصَالِ فِي الْمَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَنِكَاحِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - انْعَقَدَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ فَإِنَّ الْهِبَةَ وُضِعَتْ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَالنِّكَاحُ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ، وَذَلِكَ أَيْ مِلْكُ الرَّقَبَةِ (سَبَبٌ لِهَذَا) أَيْ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فَأُطْلِقَ اللَّفْظُ الَّذِي وُضِعَ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَأُرِيدَ بِهِ مِلْكُ الْمُتْعَةِ (وَكَذَا نِكَاحُ غَيْرِهِ عِنْدَنَا) أَيْ نِكَاحُ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ عِنْدَنَا إذَا كَانَتْ الْمَنْكُوحَةُ حُرَّةً حَتَّى لَوْ كَانَتْ أَمَةً تَثْبُتُ الْهِبَةُ عِنْدَنَا.
(وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ
ــ
[التلويح]
الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ اخْتِصَاصُهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْأَوَّلُ نَاعِتًا، وَالثَّانِي مَنْعُوتًا كَحُلُولِ الْعَرَضِ فِي الْجَوْهَرِ، وَالصُّورَةِ فِي الْمَادَّةِ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّا لَا نَعْنِي بِالْحَالِّ، وَالْمَحَلِّ هَذَا الْمَعْنَى بَلْ مَعْنَى الْحُلُولِ حُصُولُ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ سَوَاءٌ كَانَ حُصُولُ الْعَرَضِ فِي الْجَوْهَرِ أَوْ الصُّورَةِ فِي الْمَادَّةِ أَوْ الْجِسْمِ فِي الْمَكَانِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ كَحُصُولِ الرَّحْمَةِ فِي الْجَنَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الِاتِّصَالَاتِ) يَعْنِي كَمَا يَجُوزُ الْمَجَازُ فِي الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ إذَا وُجِدَتْ الْعَلَاقَاتُ الْمَذْكُورَةُ بَيْنَ مَعَانِيهَا فَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا وُجِدَ بَيْنَ مَعَانِيهَا نَوْعٌ مِنْ الْعَلَاقَاتِ الْمَذْكُورَةِ بِحَسَبِ الشَّرْعِ بِأَنْ يَكُونَ تَصَرُّفَانِ شَرْعِيَّانِ يَشْتَرِكَانِ فِي وَصْفٍ لَازِمٍ بَيِّنٍ أَوْ يَكُونَ مَعْنَى أَحَدِهِمَا سَبَبًا لِمَعْنَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ لِمَا سَيَجِيءُ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمَجَازِ وُجُودُ الْعَلَاقَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ السَّمَاعُ فِي أَفْرَادِ الْمَجَازَاتِ فَيَجُوزُ الْمَجَازُ سَوَاءٌ كَانَ وُجُودُ الْعَلَاقَةِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ أَوْ الشَّرْعِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَلَامُ خَبَرًا أَوْ إنْشَاءً فِي التَّمْثِيلِ بِالِاتِّصَالِ فِي الْمَعْنَى الْمَشْرُوعِ، وَبِالسَّبَبِيَّةِ إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَغَيْرُهُ مِنْ ضَبْطِ أَنْوَاعِ الْعَلَاقَاتِ بِأَنَّهَا اتِّصَالٌ صُورَةً كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ، وَالْمَطَرِ أَوْ مَعْنًى كَمَا بَيْنَ الْأَسَدِ، وَالرَّجُلِ الشُّجَاعِ فَإِنَّهُمَا لَا يَتَّصِلَانِ مِنْ جِهَةِ الذَّاتِ، وَالصُّورَةِ بَلْ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ فِي مَعْنَى الشَّجَاعَةِ، وَعَبَّرَ عَنْ عَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ بِالِاتِّصَالِ فِي مَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَيْفَ شَرَعَ لِأَنَّ الْمُشَابَهَةَ اتِّفَاقٌ فِي الْكَيْفِيَّةِ، وَالصِّفَةِ.
١ -
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْهِبَةَ وُضِعَتْ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ) يَعْنِي أَنَّهَا عَقْدٌ مَوْضُوعٌ فِي الشَّرْعِ لِأَجْلِ حُصُولِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ كَانَتْ أَمَةً تَثْبُتُ الْهِبَةُ) فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْهِبَةِ لَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ، وَيُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَنْ يَطْلُبَ الزَّوْجُ مِنْهَا الْهِبَةَ إذْ لَوْ طَلَبَ مِنْهَا التَّمْكِينَ مِنْ الْوَطْءِ فَقَالَتْ: وَهَبْت نَفْسِي مِنْك، وَقَبِلَ الزَّوْجُ لَا يَكُونُ نِكَاحًا.
وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ مُتَعَيِّنٌ لِهَذَا الْمَجَازِ لِنُبُوِّهِ عَنْ قَبُولِ الْحَقِيقَةِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.