لِعَجْزِهِ عَنْ الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: ٤] وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَهُ الْعَمَلُ بِهِمَا وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ ثُمَّ الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ لِعُمُومِ {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: ٢] وَلِحُكْمِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالرَّأْيِ فِي نَفْشِ غَنَمِ الْقَوْمِ) يُقَالُ: نَفَشَتْ الْغَنَمُ وَالْإِبِلُ نُفُوشًا أَيْ: رَعَتْ لَيْلًا بِلَا رَاعٍ رُوِيَ أَنَّ غَنَمَ قَوْمٍ وَقَعَتْ لَيْلًا فِي زَرْعِ جَمَاعَةٍ فَأَفْسَدَتْهُ فَتَخَاصَمُوا عِنْدَ دَاوُد - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَحَكَمَ دَاوُد بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْحَرْثِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَهُوَ ابْنُ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً غَيْرُ هَذَا أَرْفَقُ بِالْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ أَرَى أَنْ تُدْفَعَ الْغَنَمُ إلَى أَهْلِ الْحَرْثِ يَنْتَفِعُونَ بِأَلْبَانِهَا، وَأَوْلَادِهَا، وَأَصْوَافِهَا، وَالْحَرْثَ إلَى أَرْبَابِ الشَّاةِ يَقُومُونَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ أَفْسَدَتْهُ ثُمَّ يَتَرَادُّونَ فَقَالَ دَاوُد - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْقَضَاءُ مَا قَضَيْت، وَأَمْضَى الْحُكْمَ بِذَلِكَ.
أَمَّا وَجْهُ حُكُومَةِ دَاوُد - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّ الضَّرَرَ وَقَعَ بِالْغَنَمِ فَسُلِّمَتْ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْعَبْدِ الْجَانِي، وَأَمَّا وَجْهُ حُكُومَةِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ جَعَلَ الِانْتِفَاعَ بِالْغَنَمِ بِإِزَاءِ مَا فَاتَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْحَرْثِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ مِلْكُ الْمَالِكِ عَنْ الْغَنَمِ وَأَوْجَبَ عَلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْحَرْثِ حَتَّى يَزُولَ الضَّرَرُ وَالنُّقْصَانُ.
(وَلِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ» الْحَدِيثُ) رُوِيَ «أَنَّ الْخَثْعَمِيَّةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَيُجْزِينِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَرَأَيْتِ
ــ
[التلويح]
الصَّغَائِرِ) رَدٌّ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَنَّ زَلَّةَ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ الزَّلَلُ مِنْ الْأَفْضَلِ إلَى الْفَاضِلِ وَمِنْ الْأَصْوَبِ إلَى الصَّوَابِ لَا عَنْ الْحَقِّ إلَى الْبَاطِلِ، وَعَنْ الطَّاعَةِ إلَى الْمَعْصِيَةِ لَكِنْ يُعَاتَبُونَ لِجَلَالَةِ قَدْرِهِمْ وَلِأَنَّ تَرْكَ الْأَفْضَلِ عَنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ عَنْ الْغَيْرِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ) قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا الزَّلَّةُ، فَلَا يُوجَدُ فِيهَا الْقَصْدُ إلَى عَيْنِهَا وَلَكِنْ يُوجَدُ الْقَصْدُ إلَى أَصْلِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ قَوْلِهِمْ زَلَّ الرَّجُلُ فِي الطِّينِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْقَصْدُ إلَى الْوُقُوعِ، وَلَا إلَى الثَّبَاتِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَلَكِنْ وُجِدَ الْقَصْدُ إلَى الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ نَوْعِ تَقْصِيرٍ يُمْكِنُ لِلْمُكَلَّفِ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ عِنْدَ التَّثَبُّتِ، وَأَمَّا الْمَعْصِيَةُ حَقِيقَةً فَهِيَ فِعْلُ حَرَامٍ يُقْصَدُ إلَى نَفْسِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهِ.
(قَوْلُهُ: فَفِعْلُهُ الْمُطْلَقُ) أَيْ: الْخَالِي عَنْ قَرِينَةِ الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ، وَالِاسْتِحْبَابِ، وَالْإِبَاحَةِ وَكَوْنِهِ زِلَّةً أَوْ سَهْوًا أَوْ مَخْصُوصًا بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ حَاصِلَا الْأَوَّلَيْنِ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الْجَزْمِ بِحُكْمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَالِاخْتِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُنَا الِاتِّبَاعُ أَوْ يُتَوَقَّفُ فِي الِاتِّبَاعِ أَيْضًا، وَحَاصِلُ الْأَخِيرَيْنِ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ الْإِبَاحَةُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.