عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُشَاقَّةُ، وَلَا يُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ أَحْكَامًا لَا يَدْخُلُ فِيهَا مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ اتِّبَاعُهُ دَاخِلًا فِي الْوَعِيدِ فَيَكُونُ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ مَجْمُوعًا مُرَكَّبًا مِمَّا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمِنْ غَيْرِهِ فَهَذَا الْغَيْرُ يَكُونُ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ، فَإِنْ شَرَطَ لِكَوْنِهِ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ اتِّفَاقَ الْأُمَّةِ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ فَمَعَ عَدَمِ الِاتِّفَاقِ إذَا كَانَ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ فَمَعَ تَحَقُّقِ الِاتِّفَاقِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ إنْ كَانَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ مُرَكَّبًا مِمَّا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمِنْ غَيْرِهِ فَمَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَكُونُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَاتِّبَاعُهُ يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْوَعِيدِ قُلْنَا لَا يَكُونُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُهُ كَمَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَيْنُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَقَطْ يَصْدُقُ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ لِي غَيْرُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَعَ أَنَّهُ يَمْلِكُ أَجْزَاءَ الْعَشَرَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَيْنَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْمَعْطُوفُ عَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ
ــ
[التلويح]
وَتَقَدَّسَ قَدْ رَكَّبَ فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثَ قُوًى. إحْدَاهَا مَبْدَأُ إدْرَاكِ الْحَقَائِقِ وَالسَّوْقِ إلَى النَّظَرِ فِي الْعَوَاقِبِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْقُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَالنَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ، وَالْمَلَكِيَّةِ. وَالثَّانِيَةُ: مَبْدَأُ جَذْبِ الْمَنَافِعِ وَطَلَبِ الْمَلَاذِ مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَتُسَمَّى الْقُوَّةُ الشَّهْوَانِيَّةُ وَالْبَهِيمِيَّةُ، وَالنَّفْسُ الْأَمَّارَةُ. وَالثَّالِثَةُ: مَبْدَأُ الْإِقْدَامِ عَلَى الْأَهْوَالِ وَالشَّوْقِ إلَى التَّسَلُّطِ وَالتَّرَفُّعِ وَهِيَ الْقُوَّةُ الْغَضَبِيَّةُ وَالسَّبُعِيَّةُ، وَالنَّفْسُ اللَّوَّامَةُ وَتَحْدُثُ مِنْ اعْتِدَالِ الْحَرَكَةِ لِلْأُولَى الْحِكْمَةُ، وَلِلثَّانِيَةِ الْعِفَّةُ، وَلِلثَّالِثَةِ الشَّجَاعَةُ، فَأُمَّهَاتُ الْفَضَائِلِ هِيَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ تَفْرِيعَاتِهَا وَتَرْكِيبَاتِهَا، وَكُلٌّ مِنْهَا مُحْتَوِشٌ بِطَرَفَيْ إفْرَاطٍ وَتَفْرِيطٍ هُمَا رَذِيلَتَانِ.
أَمَّا الْحِكْمَةُ فَهِيَ مَعْرِفَةُ الْحَقَائِقِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَهِيَ الْعِلْمُ النَّافِعُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَعْرِفَةِ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: ٢٦٩] ، وَإِفْرَاطُهَا الْجَرْبَزَةُ وَهِيَ اسْتِعْمَالُ الْفِكْرِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي كَالْمُتَشَابِهَاتِ وَعَلَى وَجْهٍ لَا يَنْبَغِي كَمُخَالَفَةِ الشَّرَائِعِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَتَفْرِيطُهَا الْغَبَاوَةُ الَّتِي هِيَ تَعْطِيلُ الْقُوَّةِ الْفِكْرِيَّةِ بِالْإِرَادَةِ وَالْوُقُوفِ عَنْ اكْتِسَابِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ.
وَأَمَّا الشَّجَاعَةُ فَهِيَ انْقِيَادُ السَّبُعِيَّةِ لِلنَّاطِقِيَّةِ فِي الْأُمُورِ لِيَكُونَ إقْدَامُهَا عَلَى حَسَبِ الرَّوِيَّةِ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَابٍ فِي الْأُمُورِ الْهَائِلَةِ حَتَّى يَكُونَ فِعْلُهَا جَمِيلًا، وَصَبْرُهَا مَحْمُودًا، وَإِفْرَاطُهَا التَّهَوُّرُ أَيْ: الْإِقْدَامُ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي، وَتَفْرِيطُهَا الْجُبْنُ أَيْ: الْحَذَرُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي الْحَذَرُ عَنْهُ، وَأَمَّا الْعِفَّةُ فَهِيَ انْقِيَادُ الْبَهِيمِيَّةِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.