الْحِمَارِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْآثَارِ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ نَجِسٌ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ طَاهِرٌ، وَأَيْضًا قَدْ تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ فِي حُرْمَةِ لَحْمِهِ وَحِلِّهِ، فَلَمَّا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ يَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ طَاهِرًا فَيَكُونُ طَاهِرًا، وَلَا يُزِيلُ الْحَدَثَ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي زَوَالِ الْحَدَثِ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
(وَهُوَ) أَيْ التَّعَارُضُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (إمَّا بَيْنَ آيَتَيْنِ، أَوْ قِرَاءَتَيْنِ، أَوْ سُنَّتَيْنِ، أَوْ آيَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ مَشْهُورَةٍ وَالْمُخَلِّصُ إمَّا مِنْ قِبَلِ الْحُكْمِ وَالْمَحَلِّ، أَوْ الزَّمَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِمَّا أَنْ يُوَزَّعَ الْحُكْمُ كَقِسْمَةِ الْمُدَّعَى بَيْنَ الْمُدَّعِينَ، أَوْ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَغَايُرِ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: ٢٢٥] وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: ٨٩] الْآيَةَ اللَّغْوُ فِي الْأُولَى ضِدُّ كَسْبِ الْقَلْبِ) أَيْ السَّهْوُ.
(بِدَلِيلِ اقْتِرَانِهِ بِهِ) أَيْ بِكَسْبِ الْقَلْبِ حَيْثُ قَالَ: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: ٢٢٥]
ــ
[التلويح]
وَاحِدٍ: زَيْدٌ قَائِمٌ الْآنَ زَيْدٌ لَيْسَ بِقَائِمٍ غَدًا لَمْ يَكُنْ تَنَاقُضًا، وَلَوْ قِيلَ: زَيْدٌ قَائِمٌ وَقْتَ كَذَا، ثُمَّ قِيلَ: بَعْدَ سَنَةٍ: إنَّهُ لَيْسَ بِقَائِمٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ تَنَاقُضًا بَلْ الْمَقْصُودُ أَنَّ الدَّلِيلَيْنِ إنَّمَا يَتَعَارَضَانِ بِحَيْثُ يُحْتَاجُ إلَى مُخَلِّصٍ إذَا لَمْ يُعْلَمْ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إذْ لَوْ عُلِمَ لَكَانَ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَدَافِعَيْنِ لَا يَصْدُرَانِ مِنْ الشَّارِعِ إلَّا كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ) قِيلَ: الشَّكُّ فِي الطَّهَارَةِ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَتَعَارُضِ الْأَخْبَارِ كَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سُئِلَ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتْ الْحُمُرُ؟ قَالَ نَعَمْ. وَبِمَا أَفْضَلَتْ السِّبَاعُ؟» قَالَ لَا وَرَوَى أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ» ، وَهَذَا يُوجِبُ نَجَاسَةَ السُّؤْرِ لِمُخَالَطَةِ اللُّعَابِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ اللَّحْمِ النَّجِسِ، فَإِنْ أُوثِرَتْ الطَّهَارَةُ قِيَاسًا عَلَى الْعَرَقِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أُوثِرَتْ النَّجَاسَةُ قِيَاسًا عَلَى اللَّبَنِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَقِيلَ: الشَّكُّ فِي الطَّهُورِيَّةِ لِاخْتِلَافِ الْأَخْبَارِ فِي حُرْمَةِ لَحْمِ الْحِمَارِ وَإِبَاحَتِهِ وَالِاشْتِبَاهُ فِي اللَّحْمِ يُورِثُ الِاشْتِبَاهَ فِي السُّؤْرِ لِمُخَالَطَتِهِ اللُّعَابَ الْمُتَوَلِّدَ مِنْهُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْإِبَاحَةِ لَا تُسَاوِي أَدِلَّةَ الْحُرْمَةِ فِي الْقُوَّةِ حَتَّى أَنَّ حُرْمَتَهُ مِمَّا يَكَادُ يُجْمَعُ عَلَيْهِ، كَيْفَ وَلَوْ تَعَارَضَتَا لَكَانَ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ رَاجِحًا كَمَا فِي الضَّبُعِ حَيْثُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ سُؤْرِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي الطَّهُورِيَّةِ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ اخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ فَالرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ هُوَ أَنْ يُحْكَمَ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَعَدَمِ طَهُورِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا بِيَقِينٍ وَالْمُتَوَضِّئُ مُحْدِثٌ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ طَهَارَةُ الْمَاءِ وَلَا حَدَثُ الْمُتَوَضِّئِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحْكَمْ بِبَقَاءِ الطَّهُورِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِزَوَالِ الْحَدَثِ بِالشَّكِّ إذْ لَا مَعْنَى لِلطَّهُورِيَّةِ إلَّا هَذَا فَيَكُونُ إهْدَارًا لِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ لَا تَقْرِيرًا لِلْأُصُولِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَدْنَى عُدُولٍ عَنْ الْأَصْلِ ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ الْحُكْمِ بِبَقَاءِ الطَّهُورِيَّةِ فِي الْمَاءِ وَالْحَدَثِ فِي الْمُتَوَضِّئِ أُخِذَ بِالْأَقَلِّ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.