أمَّا المعتزلة فقد قالوا: إن الميزان لا حقيقة له، وإنما المراد بالوزن: العدالة في الجزاء، قالوا: وهذا معروف في كلام العرب، يقولون: هذا الكلام يوازن هذا الكلام، وهذا الرجل يوازن هذا الرجل. والميزان معناه: القسط التام والعدالة، وأن لا يُظلم إنسان شيئاً. قالوا: وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر (١):
أي: ما يوازن كلامه وحجته. ومع الأسف قد سبق المعتزلة لهذا القول مجاهد، والضحاك، والأعمش (٢)!! وهو قول باطل مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة كما ذكرنا.
وإن كان الوزن يطلق على العدل، إلا أن الأحاديث النبوية، وظواهر القرآن العظيمة، وسائر المسلمين -إلا من شذّ- كلها متفقة على أنه ميزان حقيقي له لسان وكفتان كما ذكرنا، والأحاديث بمثله كثيرة لا ينكرها إلا مكابر، وهو الحق الصحيح إن شاء الله، وهذا معنى قوله:{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ}[الأعراف: آية ٨].
متعلَّق (الوزن) هنا محذوف، و (الوزن) مصدر (وَزَنَ، يَزنُ، زِنَةً، ووزناً)، كوعد، يَعِدُ، عِدَةً، ووَعْداً، ووَصَلَ، يَصِل، صِلَةً،
(١) البيت في اللسان (مادة: وزن) (٣/ ٩٢١)، وفيه (مِرَّة) بدل (قوة). (٢) انظر: قول مجاهد في ابن جرير (١٢/ ٣٠٩)، (٣١١)، (٣١٥)، البغوي (٢/ ١٤٩)، الدر المنثور (٣/ ٦٩)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم، وعزاه إليه القرطبي وإلى الضحاك والأعمش. انظر: الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٥)، التذكرة ص٣١٣، البحر المحيط (٤/ ٢٧٠)، ولعل نسبته إلى الأعمش والضحاك لا تصح، والله أعلم.