ثم قال تعالى:{وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ}[الأعراف: آية ٤٧]{صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} معناه قلبت عيونهم {تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ}، إلى جهة أصحاب النار ومقابلتهم حتى يروهم. والعبارة بقوله:{صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} تدل على أن الله هو الذي صرف أبصارهم إليهم، وأنهم ما كانوا يحبون النظر إليهم اختياراً لشدة الهول وفظاعة الأمر - والعياذ بالله - {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} أي: قُلبت أبصارهم تجاه أهل النار ونظروا ما هم فيه من العذاب - والعياذ بالله - وما هم فيه من سوء الحال، واسوداد الوجوه، وتغيير الخلقة، وإحراق النار لهم، تَعَوَّذوا بالله من النار ومن شَرِّهَا، وتضرعوا ملتجئين إلى الله أن لا يجعلهم من أهل النار، قالوا:{رَبَّنَا} يا خالقنا وسيدنا ومدبر شؤوننا أعذنا من النار و {لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[الأعراف: آية ٤٧] أي: لا تصيرنا مع القوم الظالمين. يعنون: أصحاب النار. وقد قدمنا أن (القوم) اسم جمع لا واحد له من لفظه، يطلق بأصل الوضع العربي على خصوص الذكور، وربما دخل فيه الإناث بحكم التبع (١) والدليل على إطلاقه بالأصالة على الذكور دون الإناث قوله تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ}[الحجرات: آية ١١] فعطفه النساء على القوم يدل على أنهن لم يدخلن فيهم بحسب الوضع. ومن ذلك قول زهير (٢):
وما أدري وسوفَ إِخَالُ أَدري ... أَقَومٌ آل حصنٍ أم نساءُ
(١) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأنعام. (٢) السابق.