فهذه الأسباب حَرِيَّةٌ بأن يُقاتَل الذين اقترفوها وجاءوا بها. وهذا معنى قوله:{أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً}.
قد قَدَّمْنَا مِراراً (١) أن (القوم) اسم جمع لا واحد له من لفظه، وأنه في الوضع العربي يختص بالذكور دون الإناث، بدليل قوله:{لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ} ثم قال: {وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء}[الحجرات: آية ١١] وأن المرأة ربما دَخَلَتْ فِي اسْمِ (القَوْم) بحكم التَّبَع إذا اقْتَرَنَ بما يدل عليه، كقوله: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)} [النمل: آية ٤٣].
وقال بعض العلماء: سُمِّيَ قوم الرجل قوماً؛ لأنه لا قوام للإنسان إلا جماعة ينضم إليها ويدخل في جملتها. وهذا معنى قوله:{قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ} أي: نقضوا عهودهم، أو نقضوا العهود وأخلُّوا بالأيمان التي حلفوها تَوْكيداً للعهود.
{نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ}[التوبة: آية ١٣] الجَمَاهِير على أنَّ هَؤُلَاءِ الذين هَمّوا بإخراج الرسول هُمْ كُفَّارُ مَكَّةَ (٢) حين دَبَّرُوا لَهُ المَكِيدَة التي قَدَّمْنَاها مُوضَّحَة في سورة الأنفال (٣) في قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}[الأنفال: آية ٣٠] والله (جل وعلا) نص في بعض الآيات أنهُمْ أَخْرَجُوهُ بالفِعْل؛ لأنهم في الحقيقة اضطروه وألجئُوهُ (صلوات الله وسلامه عليه) إلى
(١) مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأنعام. (٢) انظر: القرطبي (٨/ ٨٦)، الأضواء (٢/ ٤٣٠). (٣) مضى عند تفسير الآية (٣٠) من سورة الأنفال.