ومعنى خِبْرَته (جلّ وعلا): أنه يعلم الخفايا والخبايا كما يعلم الظاهر، فلا تخفى عليه خافية. وهذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم الذي نوَّهْنَا عنه مراراً كثيرة ولا نزال ننوه عنه. وهذا معنى قوله:{وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
أما الأُولى منهما وهي قولُه:{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} فقد قرأه عامةُ السبعةِ غيرَ ابنِ كثيرٍ وأبي عمرو: {أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} بصيغةِ جمعِ التكسيرِ. وقرأه ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو:{ما كان للمشركين أن يعمروا مسجدَ الله شاهدين على أنفسهم بالكفر}(١).
أما مساجدُ الثانيةُ وهي قولُه:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} فقد أَجْمَعَ جميعُ القراءِ على قراءتِها بصيغةِ الجمعِ: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} ولم يقرأها أحدٌ بالإفرادِ كما هو معروفٌ.
وقولُه:{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ} سببُ نزولِها أن كفارَ قريشٍ صَدُّوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن البيتِ الحرامِ، وقالوا: هو بيتُنا ونحن أولياؤه، وافتخروا بعمارةِ المسجدِ الحرامِ، كما يأتي. يفتخرونَ دائمًا ببيتِ اللَّهِ الحرامِ وأنهم عُمَّارُهُ وأهلُه، كما سيأتي في قولِه: {فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تُهْجِرُونَ (٦٧)} [المؤمنون: الآيتان ٦٦، ٦٧]