والثانيةُ: عمارتُه المعنويةُ، وهي عبادةُ اللَّهِ وطاعتُه فيه، واللائقُ بالكفارِ هنا هو الأولُ؛ لأنهم كانوا يَسْدِنُونَ البيتَ وقد بَنَوْهُ، كما قال زهيرٌ (١):
{أُولَئِكَ} الكفرةُ الشاهدونَ على أنفسهم بالكفرِ {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} ومنها عمارتُهم للبيتِ الحرامِ؛ لأن الكفرَ يحبطُ جميعَ الأعمالِ. ومعنَى {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} اضْمَحَلَّتْ وكانت لا فائدةَ فيها؛ لأن أفعالَ الكفارِ تضمحلُّ ولا تنفعُهم يومَ القيامةِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنْثُورًا (٢٣)} ويقول تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)} [هود: الآيتان ١٥، ١٦] أما أفعالُ الكافرِ من قُرَبِهِ فإنها تنفعُه في الدنيا؛ لأن الكافرَ إذا أطاع اللَّهَ في الدنيا مُخْلِصًا في طَاعتِه لوجهِ اللَّهِ كَأَنْ يَبَرَّ وَالِدَيْهِ، ويصلَ الرحمَ، وَيُقْرِيَ الضيفَ، وَيُنَفِّسَ عن المكروبِ، ويعينَ [المظلوم](٢)، فإذا فَعَلَ الكافرُ هذه القربَ يقصدُ بها وجهَ اللَّهِ فإن اللَّهَ يعاوضه في الدنيا ويعطيه ثوابَه في الدنيا من الصحةِ والرزقِ
(١) مضى عند تفسير الآية (٧٢) من سورة الأعراف. (٢) في الأصل: «الظالم» وهو سبق لسان.