هذا دخولاً أوليًّا، وكذلك قولُه: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)} [النحل: آية ١٠٠] واليهودُ والنصارى داخلونَ فيهم بلا شَكٍّ، وهذا الشركُ الشيطانيُّ باتباعِ نظامِه وشرعِه هو الذي وَبَّخَ اللَّهُ مرتكبَه في سورةِ (يس)، وَبَيَّنَ مصيرَه النهائيَّ في قولِه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَاّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي} [يس: الآيتان ٦٠، ٦١] إلى أن قال مُوَبِّخًا لهم نَاعِيًا عقولَهم: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)} [يس: آية ٦٢] ثم بَيَّنَ مصيرَهم النهائيَّ الأخيرَ في قولِه: {هَذِهِ جَهَنَّمُ
الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ} [يس: الآيتان ٦٣، ٦٤] وهذا الشركُ الشيطانيُّ بالاتباعِ هو الذي نَهَى إبراهيمُ عنه أباه في قولِه: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ}[مريم: آية ٤٤] وقال تعالى: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ}[سبأ: الآية٤١] وسيأتِي لهذا المبحثِ زيادةُ إيضاحٍ بالآياتِ القرآنيةِ قريبًا في الآياتِ الآتيةِ - إن شاء اللَّهُ - في الكلامِ على قولِه:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ}[التوبة: آية ٣١] فهذه النصوصُ ولا سيما آية براءة هذه التي صَرَّحَتْ أن خصوصَ أهلِ الكتابِ من المشركينَ تَدُلُّ على مَنْعِهِمْ من دخولِ الحرمِ، وما نُقِلَ عن بعضِ العلماءِ وَرُوِيَ عن الإمامِ أبي حنيفةَ من أنهم لا مانعَ من دخولِهم الحرمَ، فيه نَظَرٌ، والأصوبُ والأظهرُ أنهم يُمْنَعُونَ منه؛ لأنهم نَجَسٌ؛ ولأن اللَّهَ صَرَّحَ بأنهم مشركونَ. والتحقيقُ - إن شاء الله - أن المرادَ بالمسجدِ الحرامِ فيها الحرمُ كُلُّهُ، فلَا يجوزُ أن يدخلَ حَرَمَ مكةَ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ ولَا كافرٌ، كِتَابِيًّا أو غيرَه، وما رُوِيَ عن جابرٍ (رضي الله عنه) من أنه خَصَّصَ هذه الآيةَ الكريمةَ وقال: لا يدخلُ فيها العبدُ والأَمَةُ، إذا كان للمسلمِ عَبْدٌ ذِمِّيٌّ أو أمةٌ ذميةٌ