أضاءَ اللَّهُ به كُلَّ شيءٍ، وَكُلُّ مَنْ لَا يَعْلَمُ أنه نورٌ وأنه حَقٌّ فإن ذلك إنما جَاءَهُ مِنْ قِبَلِ عَمَاهُ؛ لأنه خُفَّاشٌ أَعْمَى، والأَعْمَى لا يرى الشمسَ، وقد بَيَّنَ اللَّهُ هذا في سورةِ الرعدِ في قولِه:{أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى}[الرعد: آية ١٩] فَصَرَّحَ بأن الذي يَمْنَعُهُ من أن يعلمَ أنه الحقُّ إنما هو عَمَاهُ.
{بِأَفْوَاهِهِمْ} في قولِه: {بِأَفْوَاهِهِمْ} وَجْهَانِ (٢):
أحدُهما: أن المرادَ أن إطفاءَه بأفواهِهم هو تكذيبُهم به وقولُهم: إنه شِعْرٌ أو سِحْرٌ أو كهانةٌ أو أساطيرُ الأولينَ أو مكذوبٌ على اللَّهِ. فهذا إرادتُهم تكذيبُه وإبطالُه بأفواهِهم بالقولِ الكاذبِ.
وقال بعضُهم: شَبَّهَ فِعْلَهُمْ بِمَنْ رَأَى نورًا مستضيئًا مَلأَ أَقْطَارَ الدنيا وأرادَ أن ينفخَه ليطفئَه بنفخةٍ؛ لأَنَّ النفخَ يطفئُ النورَ الضعيفَ، ولا يقدرُ على النورِ العظيمِ القويِّ. كأنه شَبَّهَ إرادتَهم لإطفائِه بِمَنْ يريدُ أن ينفخَ في نورٍ عظيمٍ مَلأَ الأرضَ ليطفئَه بالنفخِ،
(١) مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام. (٢) انظر: ابن جرير (٤/ ٢١٣ - ٢١٤)، ابن كثير (٢/ ٣٤٩)، البحر المحيط (٥/ ٣٣).