للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ومن شواهدِه العربيةِ المشهورةِ ما أَنْشَدَهُ الفراءُ من قولِ الشاعرِ (١):

تُولِي الضَّجِيعَ إِذَا مَا اسْتَافَهَا خَصِرًا ... عَذْبَ الْمَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ الْقُبَلُ

يعني بقولِه «ما اتّابع»: تَتَابَعَ.

ومعنَى {اثَّاقَلْتُمْ} تَثَاقَلْتُمْ، أي: تَكَاسَلْتُمْ وتباطأتُم وتقاعستُم عن الخروجِ في سبيلِ اللَّهِ لغزوِ الكفارِ.

ثم إن اللَّهَ أَنْكَرَ عليهم إنكارًا قويًّا بأداةِ الإنكارِ التي هي الهمزةُ في قولِه: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ} قد تَقَرَّرَ في عِلْمِ العربيةِ أن لفظةَ (مِنْ) تأتِي بمعنَى البدلِ (٢)، كقولِه: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ} [الزخرف: آية ٦٠] أي: لَجَعَلْنَا بَدَلَكُمْ ملائكةً في الأرضِ {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ} أي: بدلَ الآخرةِ، وإتيانُ (مِنْ) بمعنَى البدلِ، أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣):

فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبةً ... مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلَى طَهَيَانِ

يعنِي ليس لنا شربةٌ باردةٌ مكانَ زمزمَ؛ لأنه يُؤْخَذُ حارًّا، ويُروَى:

فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ حَمْنَانَ شَرْبةً ... مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى طَهَيَانِ

وَالطَّهَيَانُ: عُودٌ كانوا يجعلونَه مرتفعًا فِي جانبِ البيتِ متلقيًّا للهواءِ يعلقونَ عليه الماءَ ليبردَ (٤).


(١) تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٧٢) من سورة البقرة.
(٢) انظر: ابن جرير (١٤/ ٢٥٢)، القرطبي (٨/ ١٤١)، الدر المصون (٦/ ٥٠).
(٣) البيت ليعلى بن مسلم اليشكري، أو الأحول الكندي. وهو في القرطبي (٨/ ١٤١)، الدر المصون (٦/ ٥٠).
(٤) انظر: القرطبي (٨/ ١٤١).

<<  <  ج: ص:  >  >>