وَغَيْرِهِمَا: هَذَا فِي الرَّجْعِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: ١] فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ؟ ، وَفُقَهَاءُ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ مَعَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي: " الطَّلَاقِ "، لَمَّا قَالَ تَعَالَى: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: ١] . قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ هُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ؛ فَإِنَّهُ لَوْ شَرَعَ إيقَاعَ الثَّلَاثِ عَلَيْهِ لَكَانَ الْمُطَلِّقُ يَنْدَمُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَا سَبِيلَ إلَى رَجْعَتِهَا: فَيَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَمَرَ الْعِبَادَ بِمَا يَنْفَعُهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَمَّا يَضُرُّهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى أَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: ٢] . وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ؛ لَا يَكُونُ فِي الثَّلَاثِ، وَلَا فِي الْبَائِنِ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: ٢] . فَأَمَرَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الرَّجْعَةِ؛ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهَا مَأْمُورٌ بِهِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ، قِيلَ: أَمْرَ إيجَابٍ. وَقِيلَ: أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ.
وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ: أَنَّ الْإِشْهَادَ هُوَ الطَّلَاقُ، وَظَنَّ أَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي لَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ لَا يَقَعُ. وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَخِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ بِهِ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ أُذِنَ فِيهِ أَوَّلًا، وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِالْإِشْهَادِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْإِشْهَادِ حِينَ قَالَ: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: ٢] .
وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْمُفَارَقَةِ: تَخْلِيَةُ سَبِيلِهَا إذَا قَضَتْ الْعِدَّةَ، وَهَذَا لَيْسَ بِطَلَاقٍ وَلَا بِرَجْعَةٍ وَلَا نِكَاحٍ. وَالْإِشْهَادُ فِي هَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَعُلِمَ أَنَّ الْإِشْهَادَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الرَّجْعَةِ.
وَمِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ يُطَلِّقُهَا وَيَرْتَجِعُهَا، فَيُزَيِّنُ لَهُ الشَّيْطَانُ كِتْمَانَ ذَلِكَ حَتَّى يُطَلِّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ طَلَاقًا مُحَرَّمًا وَلَا يَدْرِي أَحَدٌ، فَتَكُونُ مَعَهُ حَرَامًا، فَأَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الرَّجْعَةِ لِيَظْهَرَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَتْ بِهِ طَلْقَةٌ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ وَجَدَ اللُّقَطَةَ أَنْ يُشْهِدَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.