وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ الْجَمِيعَ كَلَامَ اللَّهِ، وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلِهَذَا كَانَ قَدْ حَصَلَ اتِّصَالٌ بَيْنَ شَيْخِ الْجَهْمِيَّةِ الْحُلُولِيَّةِ، وَشَيْخِ الْمُشَبِّهَةِ الْحُلُولِيَّةِ، وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْبِدَعِ وَأَمْثَالِهَا مِنْ النَّكِرَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِدِينِ الْإِسْلَامِ، سَلَّطَ اللَّهُ أَعْدَاءَ الدِّينِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: ٤٠] {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: ٤١] .
وَأَيُّ مَعْرُوفٍ أَعْظَمُ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ؟ وَأَيُّ مُنْكَرٍ أَعْظَمُ مِنْ الْإِلْحَادِ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ؟ الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ لِهَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ: مَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّمَا يَعُودُ حُكْمُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ، لَا عَلَى غَيْرِهِ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ حَرَكَةً أَوْ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا، كَانَ ذَلِكَ الْجِسْمُ هُوَ الْمُتَحَرِّكُ الْمُتَلَوِّنُ الْمُتَرَوِّحُ الْمَطْعُومُ، وَإِذَا خَلَقَ بِمَحَلٍّ حَيَاةً أَوْ عِلْمًا أَوْ قُدْرَةً أَوْ إرَادَةً أَوْ كَلَامًا، كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ هُوَ الْحَيُّ الْعَالِمُ الْقَادِرُ الْمُرِيدُ الْمُتَكَلِّمُ، فَإِذَا خَلَقَ كَلَامًا فِي الشَّجَرَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَجْسَامِ؛ كَانَ ذَلِكَ الْجِسْمُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الْكَلَامِ، كَمَا لَوْ خَلَقَ فِيهِ إرَادَةً وَحَيَاةً أَوْ عِلْمًا، وَلَا يَكُونُ اللَّهُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ؛ كَمَا أَنَّهُ إذَا خَلَقَ فِيهِ حَيَاةً أَوْ قُدْرَةً أَوْ سَمْعًا أَوْ بَصَرًا فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ هُوَ الْحَيُّ بِهِ وَالْقَادِرُ بِهِ وَالسَّمِيعُ بِهِ؛ وَالْبَصِيرُ بِهِ؛ فَكَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِمَا خَلَقَهُ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْحَيَاةِ وَغَيْرِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْحَيَاةِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ الْمُتَحَرِّكُ بِمَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَلَا الْمُصَوِّتُ بِمَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَصْوَاتِ، وَلَا سَمْعُهُ وَلَا بَصَرُهُ وَقُدْرَتُهُ مَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْقُدْرَةِ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ كَلَامُهُ مَا خَلَقَهُ مَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ، وَلَا يَكُونُ مُتَكَلِّمًا بِذَلِكَ الْكَلَامِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الِاسْمَ الْمُشْتَقَّ مِنْ مَعْنًى لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَإِنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ وَاسْمَ الْمَفْعُولِ وَالصِّفَةَ الْمُشَبَّهَةَ وَأَفْعَالَ التَّفْضِيلِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ مَعْنَاهَا دُونَ ثُبُوتِ مَعْنَى الْمَصْدَرِ الَّتِي هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْهُ، وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَحَرِّكٌ وَلَا مُتَكَلِّمٌ إلَّا بِحَرَكَةٍ وَكَلَامٍ، فَلَا يَكُونُ مُرِيدٌ إلَّا بِإِرَادَةٍ.
وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ عَالِمٌ إلَّا بِعِلْمٍ، وَلَا قَادِرٌ إلَّا بِقُدْرَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمُشْتَقَّةُ مِنْ الْمَصْدَرِ إنَّمَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.