لَيْسَ بِظَالِمٍ فَلَا يُجْعَلُ مُتَعَدِّيًا لِحُدُودِ اللَّهِ بَلْ وُجُودُ قَوْلِهِ كَعَدَمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَهُوَ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ.
فَعُمَرُ عَاقَبَهُمْ بِالْإِلْزَامِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَحْلِيلٌ فَكَانُوا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ النِّسَاءَ يَحْرُمْنَ عَلَيْهِمْ لَا يَقَعُونَ بِالطَّلَاقِ الْمُحَرَّمِ، فَانْكَفُّوا بِذَلِكَ عَنْ تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ.
فَإِذَا صَارُوا يُوقِعُونَ الطَّلَاقَ الْمُحَرَّمَ ثُمَّ يَرُدُّونَ النِّسَاءَ بِالتَّحْلِيلِ الْمُحَرَّمِ صَارُوا يَفْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ مَرَّتَيْنِ وَيَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، بَلْ ثَلَاثًا بَلْ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْأَوَّلَ كَانَ تَعَدِّيًا لِحُدُودِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ لَهَا وَوَطْؤُهُ لَهَا قَدْ صَارَ بِذَلِكَ مَلْعُونًا هُوَ وَالزَّوْجُ الْأَوَّلُ، فَقَدْ تَعَدَّيَا لِحُدُودِ اللَّهِ، هَذَا مَرَّةً أُخْرَى وَذَاكَ مَرَّةً، وَالْمَرْأَةُ وَوَلِيُّهَا لَمَّا عَلِمَا بِذَلِكَ وَفَعَلَاهُ كَانَا مُتَعَدِّيَيْنِ لِحُدُودِ اللَّهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِالِالْتِزَامِ فِي هَذِهِ الْحَالِ انْكِفَافٌ عَنْ تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ بَلْ زَادَ التَّعَدِّي لِحُدُودِ اللَّهِ، فَتَرْكُ إلْزَامِهِمَا بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَا ظَالِمَيْنِ غَيْرَ تَائِبَيْنِ خَيْرٌ مِنْ إلْزَامِهِمْ فَذَلِكَ الزِّنَا يَعُودُ إلَى تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَاَلَّذِي اسْتَفْتَى ابْنَ عَبَّاسٍ وَنَحْوَهُ، لَوْ قِيلَ لَهُ تُبْ لَتَابَ وَلِذَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُفْتِي أَحْيَانَا بِتَرْكِ اللُّزُومِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ عِكْرِمَةَ وَغَيْرُهُ، وَعُمَرُ مَا كَانَ يَجْعَلُ الْخَلِيَّةَ وَالْبَرِيَّةَ إلَّا وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، وَلَمَّا قَالَ عُمَرُ {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: ٦٦] وَإِذَا كَانَ الْإِلْزَامُ عَامًّا ظَاهِرًا كَانَ تَخْصِيصُ الْبَعْضِ بِالْإِعَانَةِ نَقْضًا لِذَلِكَ وَلَمْ يَوْثُقْ بِتَوْبَةٍ.
فَالْمَرَاتِبُ أَرْبَعَةٌ: أَمَّا إذَا كَانُوا يَتَّقُونَ اللَّهَ وَيَتُوبُونَ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ تَرْكَ الْإِلْزَامِ كَمَا كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ
وَأَبِي بَكْرٍ خَيْرٌ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَنْتَهُونَ إلَّا بِالْإِلْزَامِ فَيَنْتَهُونَ حِينَئِذٍ، وَلَا يُوقِعُونَ الْمُحَرَّمَ، وَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى تَحْلِيلٍ، فَهَذَا هُوَ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي فَعَلَهَا فِيهِمْ عُمَرُ، وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَحْتَاجُوا إلَى التَّحْلِيلِ الْمُحَرَّمِ فَهُنَا تَرْكُ الْإِلْزَامِ خَيْرٌ، وَالرَّابِعَةُ أَنَّهُمْ لَا يَنْتَهُونَ بَلْ يُوقِعُونَ الْمُحَرَّمَ وَيَلْزَمُونَهُ بِلَا تَحْلِيلٍ، فَهُنَا لَيْسَ فِي إلْزَامِهِمْ بِهِ فَائِدَةٌ إلَّا إصْرٌ وَإِغْلَالٌ لَمْ يُوجَبْ لَهُمْ تَقْوَى اللَّهِ وَحِفْظُ حُدُودِهِ، بَلْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ نِسَاؤُهُمْ وَخَرِبَتْ دِيَارُهُمْ فَقَطْ، وَالشَّارِعُ لَمْ يُشَرِّعْ مَا يُوجِبُ حُرْمَةَ النِّسَاءِ، وَتَخْرِيبَ الدِّيَارِ، بَلْ تَرْكُ إلْزَامِهِمْ بِذَلِكَ أَقَلُّ فَسَادًا وَإِنْ كَانُوا أَذْنَبُوا فَهُمْ مُذْنِبُونَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، لَكِنَّ تَخْرِيبَ الدِّيَارِ أَكْثَرُ فَسَادًا، وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَأَمَّا تَرْكُ الْإِلْزَامِ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ ذَنْبٌ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.