- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ كَاتِمًا شَيْئًا مِنْ الْوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: ٣٧] أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِي يُعَظِّمُ نَفْسَهُ بِالْبَاطِلِ يُرِيدُ أَنْ يَنْصُرَ كُلَّ مَا قَالَهُ وَلَوْ كَانَ خَطَأً، فَبَيَانُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ اللَّهَ أَحْكَمَ آيَاتِهِ وَنَسَخَ مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ هُوَ أَدَلُّ عَلَى تَحَرِّيهِ لِلصِّدْقِ وَبَرَاءَتِهِ مِنْ الْكَذِبِ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالرِّسَالَةِ فَإِنَّهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْلِيمًا، وَلِهَذَا كَانَ تَكْذِيبُهُ كُفْرًا مَحْضًا بِلَا رَيْبٍ.
وَأَمَّا الْعِصْمَةُ فِي غَيْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ فَلِلنَّاسِ فِيهِ نِزَاعٌ، هَلْ هُوَ ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالسَّمْعِ؟ وَمُتَنَازِعُونَ فِي الْعِصْمَةِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ أَوْ مِنْ بَعْضِهَا، أَمْ هَلْ الْعِصْمَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الْإِقْرَارِ عَلَيْهَا لَا فِي فِعْلِهَا؟ أَمْ لَا يَجِبُ الْقَوْلُ بِالْعِصْمَةِ إلَّا فِي التَّبْلِيغِ فَقَطْ؟ وَهَلْ تَجِبُ الْعِصْمَةُ مِنْ الْكُفْرِ وَالذُّنُوبِ قَبْلَ الْمَبْعَثِ أَمْ لَا: وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْقَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّاسِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ السَّلَفِ إثْبَاتُ الْعِصْمَةِ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ مُطْلَقًا، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّهُ يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ عَلَيْهَا، وَحُجَجُ الْقَائِلِينَ بِالْعِصْمَةِ إذَا حُرِّرَتْ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَحُجَجُ النُّفَاةِ لَا تَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ ذَنْبٍ أَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِالْعِصْمَةِ احْتَجُّوا بِأَنَّ التَّأَسِّي بِهِمْ مَشْرُوعٌ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ تَجْوِيزِ كَوْنِ الْأَفْعَالِ ذُنُوبًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّأَسِّي بِهِمْ إنَّمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِيمَا أَقَرُّوا عَلَيْهِ دُونَ مَا نَهَوْا عَنْهُ وَرَجَعُوا عَنْهُ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ إنَّمَا تَجِبُ طَاعَتُهُمْ فِيمَا لَمْ يُنْسَخْ مِنْهُ، فَأَمَّا مَا نُسِخَ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ مَأْمُورًا بِهِ وَلَا مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَضْلًا عَنْ وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ وَالطَّاعَةِ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ أَنَّ الذُّنُوبَ تُنَافِي الْكَمَالَ، أَوْ أَنَّهَا مِمَّنْ عَظُمَتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ أَقْبَحُ. أَوْ أَنَّهَا تُوجِبُ التَّنْفِيرَ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْحُجَجِ الْعَقْلِيَّةِ، فَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْبَقَاءِ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ، وَإِلَّا فَالتَّوْبَةُ النَّصُوحُ الَّتِي يَقْبَلُهَا اللَّهُ يَرْفَعُ بِهَا صَاحِبَهَا إلَى أَعْظَمِ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كَانَ دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ التَّوْبَةِ خَيْرًا مِنْهُ قَبْلَ الْخَطِيئَةِ. وَقَالَ آخَرُ: لَوْ لَمْ تَكُنْ التَّوْبَةُ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إلَيْهِ لَمَا اُبْتُلِيَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.