وَقَصَدَ بِهِ ذَلِكَ، فَهَذَا جَائِزٌ، وَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ إيضَاحُ ذَلِكَ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ نَصَبَ الشَّارِعُ إلَى الْأَحْكَامِ أَسْبَابًا يُقْصَدُ بِهَا مَحْصُولُ تِلْكَ الْأَحْكَامِ، فَمَنْ دَلَّ عَلَيْهَا وَأَمَرَ بِهَا مَنْ لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهَا مِمَّنْ يَقْصِدُ الْحَلَالَ لِيَقْصِدَ بِهَا الْمَقْصُودَ الَّذِي جُعِلَتْ مِنْ أَجْلِهِ، فَهَذَا مُعَلِّمُ خَيْرٍ، وَكَذَلِكَ مَا شَاكَلَ هَذَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ حِيلَةَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّبِعُوا مَا شُرِعَ لَهُمْ، فَيَسْلُكُوا فِي حُصُولِ الشَّيْءِ الطَّرِيقَ الَّذِي يُشْرَعُ لِتَحْصِيلِهِ دُونَ مَا لَمْ يَقْصِدْ الشَّارِعُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِنْ الْقَائِلِينَ بِالْحِيَلِ وَالْمُنْكِرِينَ لَهَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ الْإِفْتَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحِيَلِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الِاسْتِحْلَالُ بِالطُّرُقِ الْمُدَلَّسَةِ الَّتِي لَا يُقْصَدُ بِهَا الْمَقْصُودُ الشَّرْعِيُّ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا، وَسَنُطِيلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ الْكَلَامَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الطُّرُقِ الْمُبَيَّنَةِ وَالطُّرُقِ الْمُدَلَّسَةِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَ مُخَادَعَةِ الظَّالِمِ لِلْخَلَاصِ مِنْهُ وَمُخَادَعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي دِينِهِ، لِئَلَّا يُظَنَّ بِمَا يُحْكَى عَنْهُمْ فِي أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ أَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ وَمَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُفْتُوا بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحِيَلِ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لَهَا لَوْ كَانَتْ جَائِزَةً فَقَدْ أَفْتَوْا بِتَحْرِيمِهَا وَالْإِنْكَارِ لَهَا فِي قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٍ وَأَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَأَمْصَارٍ مُتَبَايِنَةٍ يُعْلَمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ إنْكَارَهَا كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يُخَالِفْ هَذَا الْإِنْكَارَ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى إنْكَارِهَا وَتَحْرِيمِهَا وَهَذَا أَبْلَغُ فِي كَوْنِهَا بِدْعَةً مُحْدَثَةً فَإِنَّ أَقْبَحَ الْبِدَعِ مَا خَالَفَتْ كِتَابًا، أَوْ سُنَّةً، أَوْ إجْمَاعًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي تَقْرِيرِ أَنَّهَا بِدْعَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَسْتَرِيبُ عَاقِلٌ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ مَا زَالَ وَاقِعًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ وَمَا زَالَ الْمُطَلِّقُونَ يَنْدَمُونَ، وَيَتَمَنَّوْنَ الْمُرَاجَعَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْصَحُ النَّاسِ لِأُمَّتِهِ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ أَبَرُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، فَلَوْ كَانَ التَّحْلِيلُ يُحَلِّلُهَا لَأَوْشَكَ أَنْ يَدُلُّوا عَلَيْهِ وَلَوْ وَاحِدًا، فَإِنَّ الدَّوَاعِيَ إذَا تَوَافَرَتْ عَلَى طَلَبِ فِعْلٍ وَهُوَ مُبَاحٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ، فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ الزَّجْرُ عَنْهُ، عُلِمَ أَنَّ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ.
وَهَذِهِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهَا، وَجَعَلَتْ تَخْتَلِفُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ إلَى خَلِيفَتِهِ تَتَمَنَّى مُرَاجَعَةَ رِفَاعَةَ وَهُمْ يَزْجُرُونَهَا عَنْ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهَا كَرِهَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ فَلَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.