كَتَفَكُّرِهِ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، أَوْ فِيمَا لَمْ يَضِقْ وَقْتُهُ، وَقَدْ يَكُونُ عُمَرُ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّفَكُّرُ فِي تَدْبِيرِ الْجَيْشِ إلَّا فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَهُوَ إمَامُ الْأُمَّةِ وَالْوَارِدَاتُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ.
وَمِثْلُ هَذَا يَعْرِضُ لِكُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ، وَالْإِنْسَانُ دَائِمًا يَذْكُرُ فِي الصَّلَاةِ مَا لَا يَذْكُرُهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ مِنْ الشَّيْطَانِ، كَمَا يُذْكَرُ أَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ ذَكَرَ لَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ دَفَنَ مَالًا وَقَدْ نَسِيَ مَوْضِعَهُ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّ، فَقَامَ فَصَلَّى، فَذَكَرَهُ، فَقِيلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ عَلِمْت ذَلِكَ؟ قَالَ: عَلِمْت أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَدَعُهُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يُذَكِّرَهُ بِمَا يُشْغِلُهُ، وَلَا أَهَمَّ عِنْدَهُ مِنْ ذِكْرِ مَوْضِعِ الدَّفْنِ. لَكِنَّ الْعَبْدَ الْكَيِّسَ يَجْتَهِدُ فِي كَمَالِ الْحُضُورِ، مَعَ كَمَالِ فِعْلِ بَقِيَّةِ الْمَأْمُورِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
١٨٥ - ١٠١ مَسْأَلَةٌ: فِي وَسْوَاسِ الرَّجُلِ فِي صَلَاتِهِ، وَمَا حَدُّ الْمُبْطِلِ لِلصَّلَاةِ؟ وَمَا حَدُّ الْمَكْرُوهِ مِنْهُ؟ وَهَلْ يُبَاحُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ؟ وَهَلْ يُعَذَّبُ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ؟ وَمَا حَدُّ الْإِخْلَاصِ فِي الصَّلَاةِ؟ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ لِأَحَدِكُمْ مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا مَا عَقَلَ مِنْهَا» ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ: الْوَسْوَاسُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَمْنَعُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مَنْ تَدَبُّرِ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي فِي الصَّلَاةِ، بَلْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْخَوَاطِرِ، فَهَذَا لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ؛ لَكِنْ مَنْ سَلِمَتْ صَلَاتُهُ مِنْهُ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ تَسْلَمْ مِنْهُ صَلَاتُهُ. الْأَوَّلُ شَبَهُ حَالِ الْمُقَرَّبِينَ.
وَالثَّانِي: شَبَهُ حَالِ الْمُقْتَصِدِينَ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَهُوَ مَا مَنَعَ الْفَهْمَ وَشُهُودَ الْقَلْبِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ الرَّجُلُ غَافِلًا، فَهَذَا لَا رَيْبَ أَنَّهُ يَمْنَعُ الثَّوَابَ، كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إلَّا نِصْفُهَا، إلَّا ثُلُثُهَا؛ إلَّا رُبْعُهَا إلَّا خُمُسُهَا إلَّا سُدُسُهَا، حَتَّى قَالَ: إلَّا عُشْرُهَا» فَأَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَدْ لَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إلَّا الْعُشْرُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.