وَبَعْضُ النَّاسِ يَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ فِي أَغْلِبْ الْأَوْقَاتِ، فَيَرَاهُ بِدْعَةً، وَيَجْعَلُ فِعْلَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مَخْصُوصًا أَوْ مَنْسُوخًا، إنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهُ ذَلِكَ، مِثْلَ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي جَمَاعَةٍ. فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّهُ صَلَّى بِاللَّيْلِ وَخَلْفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مَرَّةً، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ مَرَّةً» . وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا.
وَكَذَلِكَ «صَلَّى بِعِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ فِي بَيْتِهِ التَّطَوُّعَ جَمَاعَةً: وَصَلَّى بِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأُمِّهِ وَالْيَتِيمِ فِي دَارِهِ» ؛ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا فِيمَا يَحْدُثُ مِنْ " صَلَاةِ الْأَلْفِيَّةِ " لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَالرَّغَائِبِ، وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُدَاوِمُونَ فِيهِ عَلَى الْجَمَاعَاتِ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَكْرَهُ التَّطَوُّعَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ إنَّمَا سُنَّتْ فِي الْخَمْسِ، كَمَا أَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا سُنَّ فِي الْخَمْسِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّوَابَ هُوَ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، فَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ فِي جَمَاعَةٍ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ سُنَّةً رَاتِبَةً، كَمَنْ يُقِيمُ لِلْمَسْجِدِ إمَامًا رَاتِبًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، أَوْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، كَمَا يُصَلِّي بِهِمْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْعِيدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَذَانًا كَأَذَانِ الْخَمْسِ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرَ الصَّحَابَةُ عَلَى مَنْ فَعَلَ هَذَا مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ إذْ ذَاكَ.
وَيُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ تَنَازُعَ الْعُلَمَاءِ فِي مِقْدَارِ الْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كَانَ يَقُومُ بِالنَّاسِ عِشْرِينَ رَكْعَةً فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَيُوتِرُ بِثَلَاثٍ.
فَرَأَى كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ. وَاسْتَحَبَّ آخَرُونَ: تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً؛ بُنِيَ عَلَى أَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمُ. وَقَالَ طَائِفَةٌ: قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» . وَاضْطَرَبَ قَوْمٌ فِي هَذَا الْأَصْلِ، لَمَّا ظَنُّوهُ مِنْ مُعَارَضَةِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِمَا ثَبَتَ مِنْ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَمَلِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعَهُ حَسَنٌ، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّتُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ عَدَدٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوَقِّتْ فِيهَا عَدَدًا، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ تَكْثِيرُ الرَّكَعَاتِ وَتَقْلِيلُهَا، بِحَسَبِ طُولِ الْقِيَامِ وَقِصَرِهِ.
فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُطِيلُ الْقِيَامَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ بِالْبَقَرَةِ، وَالنِّسَاءِ، وَآلِ عِمْرَانَ، فَكَانَ طُولُ الْقِيَامِ يُغْنِي عَنْ تَكْثِيرِ الرَّكَعَاتِ» . وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لَمَّا قَامَ بِهِمْ. وَهُمْ جَمَاعَةٌ وَاحِدَةٌ -
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.