الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّهِ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي يُنَادَى بِهِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَإِنَّكُمْ لَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا صَلَّى هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ.
فَقَدْ أَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِقْرَارِ وُجُوبِهَا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ لَوْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مُسْتَحَبَّةً كَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَالتَّطَوُّعَاتِ الَّتِي مَعَ الْفَرَائِضِ، وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَحْوِ ذَلِكَ.
كَانَ مِنْهُمْ مِنْ يَفْعَلُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَفْعَلُهَا مَعَ إيمَانِهِ، كَمَا قَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ: وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ.
فَقَالَ: «أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ كَانَ لَا يَخْتَلِفُ عَنْهُ إلَّا مُنَافِقٌ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْأَعْيَانِ، كَخُرُوجِهِمْ إلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا، لَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ فِي التَّخَلُّفِ، إلَّا مَنْ ذَكَرَ أَنَّ لَهُ عُذْرًا فَأَذِنَ لَهُ لِأَجْلِ عُذْرِهِ، ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ كَشَفَ اللَّهُ أَسْرَارَ الْمُنَافِقِينَ، وَهَتَكَ أَسْتَارَهُمْ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ تَخَلَّفُوا لِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَاَلَّذِينَ تَخَلَّفُوا لِغَيْرِ عُذْرٍ مَعَ الْإِيمَانِ عُوقِبُوا بِالْهَجْرِ، حَتَّى هِجْرَانِ نِسَائِهِمْ لَهُمْ، حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ الْيَوْمَ تَحْكُمُونَ بِنِفَاقِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا، وَتُجَوِّزُونَ تَحْرِيقَ الْبُيُوتِ عَلَيْهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذُرِّيَّةٌ.
قِيلَ لَهُ: مِنْ الْأَفْعَالِ مَا يَكُونُ وَاجِبًا، وَلَكِنَّ تَأْوِيلَ الْمُتَأَوِّلِ يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْهُ، وَقَدْ صَارَ الْيَوْمَ كَثِيرٌ مِمَّنْ هُوَ مُؤْمِنٌ لَا يَرَاهَا وَاجِبَةً عَلَيْهِ، فَيَتْرُكُهَا مُتَأَوِّلًا، وَفِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ تَأْوِيلٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَاشَرَهُمْ بِالْإِيجَابِ.
وَأَيْضًا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ: «أَنَّ أَعْمَى اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَأَجِبْ» فَأَمَرَهُ بِالْإِجَابَةِ إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ؛ وَلِهَذَا أَوْجَبَ أَحْمَدُ الْجَمَاعَةَ عَلَى مَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.