منها، وهي نعمة الدَّفع، قلَّما يتنبَّه لها الإنسان، والأُولى نعمة النَّفع، وهي ونعمة الدَّفع (١) ظاهرتان، وتعذَّر الخروج عن عهدة الشُّكر لعدم إمكان التَّذكُّر (٢) لأفراد النَّوع الأول بتفاصيلها؛ لأنَّ الشُّكرَ على النِّعمة نعمةٌ أخرى.
ثم إنَّ الكلام المذكور على طريقة ذِكْر أحد الفعلين، وعطف متعلَّق المحذوف على المذكور على حسب ما يقتضيه لفظه (٣)، حتى كأنَّه شريكه في أصل الفعل؛ إجراءً لأحد المتقاربَين مجرى الآخر، كقولك: تقلَّدْتُ (٤) السَّيف والرُّمح.
الكربُ: الغمُّ الشَّديد، أصلُه من كَرْب الأرض، وهو قَلْبُها بالحَفْرِ، فالغمُّ إذا اشتدَّ يثيرُ النَّفس إثارةَ ذلك.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: لا تُخلِصون حين تتخلَّصون، ولا تشكرون بل تشركون.
و ﴿ثُمَّ﴾ استبعادٌ لشركهم (٥) مع إقرارهم بأنَّه لا يكشفُ الضرَّ إلا الله تعالى، ووضع ﴿تُشْرِكُونَ﴾ موضعَ (لا تشكرون) مبالغة؛ لأنَّ مَنْ يشركْ بالله تعالى فهو في غاية البعد مِنْ شُكْرِه.
* * *
(١) في (ح): "والأولى نعمة الدفع، وهي ونعمة الدفع"، وفي (ك) و (م): "والأولى نعمة الدفع، وهي ونعمة النفع"، وفي (ف): "والأولى نعمة الرفع، وهي ونعمة الدفع"، ولعل المثبت هو الصواب. وفي (م) و (ك): "ونعمة النفع". (٢) في (ف): "التذكير". (٣) في (ف) و (م) و (ح): "لفظة"، والمثبت من (ك). (٤) في (ح): "كقولهم: تقلدت"، وفي (ف): "كقولهم: لم تقلدت". (٥) في (ف): "إشراكهم".