وَسلم بِطَلاقِهَا، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ قَدْ كَانَ عِنْدَ عُوَيْمِرٍ قَائِمًا إِلَى الآنَ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَدْ وَقَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ وَلَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي طَلَّقَهَا مِمَّنْ لَا يَقَعُ طَلاقُهُ عَلَيْهَا وَالْقَائِلُونَ بِالْقَوْلَيْنِ الأَوَّلَيْنِ يَقُولُونَ: لَا يَقَعُ الطَّلاقُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْبَائِنِ مِنْ زَوْجِهَا فِي عِدَّتِهَا، وَقَدْ أَنْفَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الطَّلاقَ عَلَى الْمُطَلِّقِ، وَأَلْزَمَهُ إِيَّاهُ، فَعَلَى أَيِّ مَعْنًى كَانَ هَذَا الطَّلاقُ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ؟ فَأَهْلُ هَاتَيْنِ الْمَقَالَتَيْنِ خَارِجُونَ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى، قَائِلُونَ بِخِلافِهِ، وَفِي ثُبُوتِ تَفْرِيقِ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَبْقَيَانِ عَلَى النِّكَاحِ أَبَدًا غَيْرَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِلطَّلاقِ الَّذِي كَانَ، أَوْ بِأَسْبَابِ اللِّعَانِ وَرَأَيْنَا اللِّعَانَ ابْتَدَاؤُهُ كَانَ مِنَ الْحَاكِمِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الأَشْيَاءَ تَرْجِعُ أَوَاخِرُهَا إِلَى حُكْمِ أَوَائِلِهَا، وَأَنَّ مَا كَانَ أَوَّلُهُ مِنْهَا لَا يَكُونُ إِلا بِالْحَاكِمِ، فَآخِرُهُ لَا يَكُونُ إِلا بِهِ، وَمَا كَانَ أَوَّلُهُ بِغَيْرِهِ كَانَ آخِرُهُ كَذَلِكَ، وَشَرَحْنَا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ شَرْحًا يُغْنِينَا عَنْ إِعَادَتِهِ فَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرْنَا كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ أَوَّلُهُ لَمَّا كَانَ بِالْحَاكِمِ، لَا بِغَيْرِهِ، أَنْ يَكُونَ آخِرُهُ كَذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ بِالْحَاكِمِ لَا بِغَيْرِهِ فَهَذِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَنَا لازِمَةٌ لأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ غَيْرَ زُفَرَ، فَإِنَّا لَا نَدْرِي هَلْ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّ الطَّلاقَ يَلْحَقُ الْمُعْتَدَّةَ الْبَائِنَ مِنَ الَّذِي تَعْتَدُّ مِنْهُ فِي عِدَّتِهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ هَذَا اللِّعَانُ وَقَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الزَّوْجُ بِالْمَرْأَةِ، وَوَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِمَا يَجِبُ وُقُوعَهَا مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّهَا فِيمَا يَجِبُ لَهَا مِنَ الصَّدَاقِ عَلَى زَوْجِهَا كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ كَالْبَائِنِ مِنْ زَوْجِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِفُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ زَوْجِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلاقًا، فَإِنْ كَانَ قَدْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا فَلَهَا نِصْفُ مَا سَمَّى لَهَا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا فَهِيَ كَالْمُطَلَّقَةِ أَوْ كَالْبَائِنِ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْمُتْعَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَهَذَا فَلا نَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلافًا غَيْرَ شَيْءٍ يُرْوَى عَنْ
أَبِي بُرْدَةَ يَدُلُّ أَنَّ مَذْهَبَهُ كَانَ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ فِي حُكْمِ الْفِرَقِ اللاتِي تَأْتِي مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَاتِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالأَصْدَاقِ لَهَا فِيهَا، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.