وَقَدْ أَقَمْت سِنِينَ مَعَهُ؟ فَقَالَتْ: أَوَّلُ لَيْلَةٍ دَخَلَ عَلَيَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَجَلَسَ يَنْظُرُ فِي كُتُبِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ أَيَّامِهِ فَقُمْت يَوْمًا، وَلَبِسْت، وَتَزَيَّنْت، وَلَعِبْت بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَنَظَرَ إلَيَّ، وَتَبَسَّمَ، وَأَخَذَ الْقَلَمَ الَّذِي بِيَدِهِ فَجَرَّهُ عَلَى وَجْهِي، وَأَفْسَدَ بِهِ زِينَتِي، ثُمَّ أَكَبَّ رَأْسَهُ عَلَى كُتُبِهِ لَمْ يَرْفَعْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى انْتَقَلَ إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ هِمَّةٌ سُنِّيَّةٌ فَلْيَنْسِجْ عَلَى مِنْوَالِهِ.
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَحْتَاجُ إلَى سِتَّةِ أَشْيَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا، فَإِنْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ نَقَصَ مِنْ عِلْمِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَهِيَ هِمَّةٌ بَاعِثَةٌ، وَذِهْنٌ ثَاقِبٌ، وَصَبْرٌ، وَجِدَّةٌ، وَشَيْخٌ فَتَّاحٌ، وَعُمْرٌ طَوِيلٌ. فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِيحَ فَكَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْوِيَ بِتِلْكَ الِاسْتِرَاحَةِ امْتِثَالَ السُّنَّةِ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «رَوِّحُوا الْقُلُوبَ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ» ، وَيَنْوِي بِذَلِكَ إدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى أَهْلِهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهِنَّ، وَالتَّحَدُّثِ مَعَهُنَّ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا مَزِيَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، أَعْنِي بِذَلِكَ فِي بَسْطِهِ لَهُمْ، وَالتَّوَاضُعِ مَعَهُمْ، وَيَنْوِي بِذَلِكَ كُلِّهِ امْتِثَالَ السُّنَّةِ.
وَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَا يُعَارِضُهُ مُخَالَفَةُ أَمْرٍ، وَلَا ارْتِكَابُ نَهْيٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمْزَحُ، وَلَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفِرَاشَ وَالتَّعَرِّي مِنْ السُّنَّةِ.
[آدَاب النوم]
، وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَفَرَغَ مِنْ رُكُوعِهِ فِي بَيْتِهِ جَلَسَ يَتَحَدَّثُ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ إذَا عَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْفِرَاشِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِلنَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ ثُمَّ يَرْكَعَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ، وَهَذَا مَا لَمْ يُوتِرْ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْتَرَ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُصَلِّيَ بَعْدَ الْوِتْرِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقُومَ مِنْ نَوْمِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ رَجَاءَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَإِنْ كَانَ نَائِمًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ إرَادَتِهِ النَّوْمَ مُحْدِثًا فَلْيَنْوِ بِوُضُوئِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ لِكَيْ يَسْتَبِيحَ بِهِ الصَّلَاةَ اتِّفَاقًا.
وَالْحِكْمَةُ فِي وُضُوئِهِ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ هِيَ أَنَّ النَّوْمَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.