- عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي وَصِيَّتِهِ لِوَلَدِهِ يَا بُنَيَّ عَلَيْك بِذَوِي التَّجَارِبِ؛ لِأَنَّ مَنْ جَرَّبَ قَدْ دَخَلَ فِي الْمَخَاضَةِ، وَعَرَفَهَا، وَعَرَفَ مَوْضِعَ السَّلَامَةِ فِيهَا، وَمَوْضِعَ الْعَطَبِ فَعَلِمَ مَا يَتَجَنَّبُ مِنْهَا، وَمَا يَحْذَرُ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ، وَمَا يُسْتَعَانُ بِهِ
[فَصْلٌ فِي التَّعَلُّقُ بِرَبِّهِ وَالسُّكُونُ إلَيْهِ وَانْقِطَاعُ رَجَائِهِ مِمَّنْ هُوَ مَخْلُوقٌ مِثْلُهُ]
(فَصْلٌ) : وَآكُد مَا عَلَيْهِ فِي خَلْوَتِهِ التَّعَلُّقُ بِرَبِّهِ، وَالسُّكُونُ إلَيْهِ، وَانْقِطَاعُ رَجَائِهِ مِمَّنْ هُوَ مَخْلُوقٌ مِثْلُهُ، وَمِنْ كِتَابِ سِيَرِ السَّلَفِ لِلْإِمَامِ الْحَافِظِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَصْبَهَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَقَدْ قَالَ شَقِيقٌ الْبَلْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ مَعْرِفَتَهُ بِاَللَّهِ فَلْيَنْظُرْ إلَى مَا وَعَدَهُ اللَّهُ، وَوَعَدَهُ النَّاسُ بِأَيِّهِمَا قَلْبُهُ أَوْثَقُ، وَقَالَ: اتَّقِ الْأَغْنِيَاءَ فَإِنَّك مَتَى عَقَدْت قَلْبَك مَعَهُمْ، وَطَمِعْت فِيهِمْ فَقَدْ اتَّخَذْتهمْ رَبًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَقَالَ: إذَا أَرَدْت أَنْ تَكُونَ فِي رَاحَةٍ فَكُلْ مَا أَصَبْت، وَالْبَسْ مَا وَجَدْت، وَارْضَ بِمَا قَضَى اللَّهُ عَلَيْك، وَقَالَ: مَنْ دَارَ حَوْلَ الشَّهَوَاتِ فَإِنَّهُ يَدُورُ بِدَرَجَاتِهِ فِي الْجَنَّةِ لِيَأْكُلَهَا فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيّ: الْعِبَادَةُ حِرْفَةٌ، وَحَوَانِيتُهَا الْخَلْوَةُ، وَرَأْسُ مَالِهَا الِاجْتِهَادُ بِالسُّنَّةِ، وَرِبْحُهَا الْجَنَّةُ، وَقَالَ: الصَّبْرُ عَلَى الْخَلْوَةِ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِخْلَاصِ، وَقَالَ: اجْتَنِبْ صُحْبَةَ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ مِنْ النَّاسِ: الْعُلَمَاءِ الْغَافِلِينَ، وَالْقُرَّاءِ الْمُدَاهِنِينَ، وَالْمُتَصَوِّفَةِ الْجَاهِلِينَ، وَقَالَ: الزُّهْدُ ثَلَاثُهُ أَشْيَاءَ: الْقِلَّةُ، وَالْخَلْوَةُ، وَالْجُوعُ، وَقَالَ: عَلَى قَدْرِ حُبِّك لِلَّهِ يُحِبُّك الْخَلْقُ، وَعَلَى قَدْرِ خَوْفِك مِنْ اللَّهِ يَخَافُك الْخَلْقُ، وَعَلَى قَدْرِ شُغْلِك بِاَللَّهِ يَشْتَغِلُ فِي أَمْرِك الْخَلْقُ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ النَّيْسَابُورِيُّ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ارْتَكَبَ كُلَّ خَطِيئَةٍ مَا خَلَا الشِّرْكَ بِاَللَّهِ، وَخَرَجَ مِنْ الدُّنْيَا سَلِيمَ الْقَلْبِ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُفِرَ لَهُ قِيلَ: يَا أَبَا حَفْصٍ هَلْ لِهَذَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ دَلِيلٍ قَالَ: بَلَى قَوْله تَعَالَى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: ٣١] فَاتِّبَاعُهُ مَحَبَّةُ أَصْحَابِهِ لِأَجْلِهِ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَكِيمُ السَّمَرْقَنْدِيُّ: كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِ، وَكَمْ مِنْ مُغْتَرٍّ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَكَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو تُرَابٍ النَّخْشَبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْفَقِيرُ قُوَّتُهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.